يعترف الأميركيون باستمرار تصاعد العنف في العراق، وان خطة بوش الجديدة ربما تكون في طريقها إلى الفشل التام مثل غيرها من الخطط التي تعلي من شأن العمل العسكري، على حساب الجهد السياسي الصادق من اجل إخراج الأميركيين أنفسهم من الورطة التي باتوا فيها قبل العراقيين، ومع ذلك تواصل الإدارة الأميركية البقاء على المسار!.

قائد القوات الأميركية الجديد في العراق الجنرال ديفيد بتريواس بدأ مهمته بالتأكيد على ان الحل العسكري لن يفلح في وقف العنف الذي أعلنت وزارة الدفاع الأميركية البنتاغون انه بلغ ذروته في الربع الأخير من العام الماضي والأول من هذا العام، ومع ذلك يتمسك الرئيس جورج بوش باستراتيجية تعتمد على إرسال المزيد من الجنود ورفض تحديد اي جدول زمني لانسحاب قواته من العراق.

ستون في المئة من الأميركيين باتوا مقتنعين ان الهزيمة في العراق اتيه لا محالة، وان الأفضل الانسحاب من هناك لمنع وصول المزيد من جثث الجنود الأميركيين الذين اعتقد قادتهم في بداية الحرب أنهم في نزهة في ربوع بلاد الرافدين وإذا بكابوس وشبح فيتنام يخيم عليهم بعد أربع سنوات من الغزو.

الديمقراطيون في الكونغرس بمجلسيه(الشيوخ والنواب) يكافحون من اجل تغير بوش لمساره، و تحديد جدول زمني لرحيل سقفه مارس 2008، غير ان الرجل يكابر ويرفض أي مس بالمهمة التي أرسلته العناية الإلهية لانجازها في العراق، وان تحول البلد إلى ركام وأطلال، فلا يهم فكل شيء يهون من اجل عيون العم سام.

الحلفاء يتساقطون تحت سنابك الضغوط السياسية، وبعضهم أطلق ساقيه للريح، واختار الرحيل على دفعات كما فعل رئيس الوزراء البريطاني توني بلير الذي جدول خروج قواته على مراحل، وان ظل متناقضا في أقواله، فهو يعترف بان الغزو كان كارثة ومأساة، لكنه يرفض الاعتراف بخطأ المشاركة في الحرب!!

وفي خضم الجدل في الأوساط الأميركية بشأن« المهمة العاجزة»، تمضي الفوضى ويدفع العراقيون المزيد من دمائهم على مذبح السياسات الأميركية والأهداف المتقلبة والمتحولة كالحرباء من وقت إلى آخر، وجميعنا يتذكر المبررات والذرائع التي سوقتها واشنطن قبل الغزو كالبحث عن أسلحة الدمار، وبعدها محاولة الربط بين صدام والقاعدة، وعندما سقطت هذه الحجة ظهر الحديث عن الديمقراطية والنموذج الذي يجب ان يحتذى في الشرق الأوسط وأخيرا منع اندلاع الحرب الأهلية وسط العراقيين!

ومهما وضعت الإدارة الأميركية من خطط عسكرية، وطلب المزيد من الأموال، لتمويل حملات الدهم والتفتيش على المدن العراقية المختلفة، فان تجاهل الحلول السياسية، وعدم الاعتراف بان الاحتلال كان سببا لإطلاق عفريت العنف من قمقمة، سيكون مآل كل الخطط الفشل، والمزيد الغوص في المستنقع العراقي، الذي علق الجنود الأميركيون في أوحاله.

الإدارة الأميركية مدعوة إلى اتخاذ خطوات شجاعة، تنطلق من استحالة انجاز مهمة أثبتت الأيام عدم القدرة على تحقيقها، لكونها غير واضحة وتتخبط في رؤوس واضعيها. المناورة لم تعد مجدية، والاعتراف بالحقائق فضيلة، تستدعي من البيت الأبيض طرق الأبواب الصحيحة للخروج من المأزق الذي يطوق قواتها في العراق.

الطريق الرئيسي لحل العقدة العراقية، لا يحتاج إلى طول اجتهاد، وهذا الطريق له عنوان واحد، وهو الرحيل عن العراق، وتركه لأهله وأصحابه الحقيقيين، وهؤلاء إذا ما وضعوا أمام مسؤولياتهم، قادرون على إخراج بلدهم من مأساته التي صنعها الآخرون ودفع البعض منهم إلى الانغماس في ألاعيبها المجنونة.

والتخويف من اندلاع حرب أهلية إذا ما رحل الأميركيون، حجة واهية لان الاقتتال المذهبي الذي يعانيه العراقيون يعلم الجميع من يقف وراء إزكائه، كما ان وجود أكثر من 140 ألف جندي أميركي لم يحل دون وقوعه. الرحيل هو الحل ووضع العراقيين على اختلاف توجهاتهم وطوائفهم أمام حقيقة انسحاب الأميركيين في مدة زمنية محددة كفيل بإيجاد مخرج، وإجبارهم على لم شعث بلادهم.