الجولة الرئاسية الأميركية في أميركا اللاتينية حيث يعيش 40% من السكان في الفقر وحيث يعيش حوالي 50 مليون إنسان بأقل من دولار في اليوم، والتي شملت البرازيل والأوروغواي وكولومبيا وجواتيمالا والمكسيك وهي الرحلة الأطول للرئيس بوش منذ ست سنوات، جاءت بعد سنوات من التهميش والنسيان والتناسي والتجاهل وهي انتقادات رددها أبناء «الحديقة الخلفية» من أصدقاء لواشنطن أو على الأقل من أناس لا تتسم علاقاتهم معها بالخصومة المبدئية أو العقائدية.
يعود هذا التجاهل والنسيان إلى أن أحداث 11 سبتمبر أنست أميركا مشاغلها التاريخية واهتماماتها التقليدية ودفعتها للتركيز كليا على الشرق الأوسط. ويتساءل عدد من المراقبين هل تؤسس هذه الجولة الرئاسية للعودة الفعلية إلى الحديقة الخلفية لواشنطن ولو من باب جديد وشبه غريب أو مستغرب من إدارة بوش باعتبار أن عنوان الزيارة الذي أعلنه بوش عبر خطاب ألقاه في الغرفة التجارية الأميركية الاسبانية في واشنطن قبل سفره يتحدث عن التنمية وإزالة الفروقات الاقتصادية والاجتماعية الحادة ومحاربة الفقر وتخفيف البطالة ويتوجه إلى العمال والى الفلاحين .
وهي لغة غريبة كليا عن الإدارة الحالية، بعد العشرية الأخيرة من القرن الماضي عندما كانت اللبرلة الاقتصادية ووصفات صندوق النقد الدولي وما وصفه بعض الاقتصاديين من أميركا اللاتينية بنموذج أصولية اقتصاد السوق بعد ان كانت هذه المفاهيم التي كرست ما عرف «بإجماع واشنطن» لمعالجة مشاكل أميركا اللاتينية في عهدي بوش الأب وكلينتون الديمقراطي، قد وصلت كلها إلى طريق مسدود لا بل دفعت أميركا اللاتينية إلى الكارثة الاقتصادية والى ردود فعل عنيفة ضد مفهومي الديمقراطية السياسية واللبرلة الاقتصادية اللذين كانا عنوان السياسة الأميركية في الحديقة الخلفية بعد نهاية الحرب الباردة.
الرئيس بوش يغير المقاربة على الأقل على المستوى النظري للدخول مجددا إلى أميركا اللاتينية بعد أن أدت وصفات الأمس إلى انتشار الراديكالية الشعبوية والذي يعتبر الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز صاحب نظرية اشتراكية القرن 21 احد ابرز رموزها.
يبدو أن احد الأهداف الرئيسية لا بل قد يكون المحرك الرئيسي وراء الزيارة محاولة احتواء السياسة الناشطة للزعيم الفنزويلي شافيز الذي يوظف إمكاناته النفطية الهائلة وجاذبية خطابه الشعبوي لإقامة جبهة لاتينية ضد السياسة الأميركية تضم إليه الأرجنتين وبوليفيا وإكوادور وبالطبع كوبا بما تمثله هذه الأخيرة من تراث ثوروي في المنطقة. جبهة تنفتح على علاقات مع إيران ومع الصين وهو ما يؤدي إلى قلق أميركي كبير بشأن ما تعتبره منطقة مقفلة لها ولو أنها فقدت أهميتها الإستراتيجية بعد نهاية الحرب الباردة وتراجعت بذلك على جدول أولويات الاهتمام الأميركي.
إذا كان عنوان التنمية الاقتصادية احدى ركائز الزيارة فإن دبلوماسية الايتانول كبديل للنفط وكطاقة حيوية يشكل عنصرا أساسيا في هذه الزيارة وتحديدا في صياغة علاقة إستراتيجية مع البرازيل القوة الإقليمية الرئيسية في القارة اللاتينية. توثيق العلاقة مع البرازيل رغم المعارضة الموجودة فيها لهذا التوجه يصيب أكثر من عصفور بحجر واحد فبوش يريد أن يوجه رسالة مفادها أن هنالك يسارا معتدلا يمكن التعامل معه بشكل بناء وان لهذا التعاون مردودا لكافة أطرافه .
كما هو الحال مع الحكم في البرازيل، أضف إلى ذلك أن دبلوماسية الايتانول تسمح بتخفيض الاعتماد على النفط وخاصة ان واشنطن تستورد 15% من النفط من فنزويلا وتخفيض الاعتماد على النفط يسمح بإضعاف القدرة المادية للجاذبية الفنزويلية، علماً أن تهديد فنزويلا التي تنتج نفطا من النوع الثقيل ذات الجودة المنخفضة لا تأخذه واشنطن على محمل الجد باعتبار انه ليس نفطا «شعبيا» بسبب صعوبة وكلفة تكراره وحاجته إلى مصاف ذات تكنولوجية متقدمة موجودة بشكل خاص في الولايات المتحدة.
والجدير بالذكر أن شافيز أعلن عن نيته مع نظيره الأرجنتيني عن تأسيس منظمة للدول التي تنتج الغاز الطبيعي وتصدره، فيما يبدو انه بداية لصراع حول وسائل الطاقة ومصادرها بين كتلتين في أميركا اللاتينية وثالث عناصر الاهتمام الأميركي الخاص بالبرازيل مرده دفع هذه الأخيرة أو استثارتها للعب دورها كزعيم إقليمي في المنطقة.
وهي التي تبدي انزعاجاً متزايداً من التمدد الفنزويلي ومحاولة هذه الأخيرة تكريس نفسها كمتحدث باسم أميركا اللاتينية. فالبرازيل التي تعتبر نفسها بسبب حجمها وتاريخها الزعيم الطبيعي في القارة اللاتينية منزعجة من سياسة شافيز ومحاولته إقامة منطقة نفوذ واسعة وخاصة به في أميركا اللاتينية.
من عناصر هذه السياسة الأميركية «الجديدة» أيضا إعادة صياغة العلاقة مع المكسيك وهي علاقة مثيرة وحاملة لحساسيات مختلفة تاريخيا والمدخل الطبيعي لصياغة العلاقة على قواعد جديد يستدعي ما أوحت به واشنطن عن استعدادها لبلورة سياسة جديدة للهجرة وهو الموضوع الأكثر تعقيدا في العلاقات بين الجارين. واشنطن أيضاً تريد استنهاض المكسيك لتكون القوة الأخرى في المنطقة في سياسة احتواء شافيز وجميع أصدقائه.
لكن المهم أيضاً في الجولة الرئاسية الأميركية يكمن في التركيز على دعم التنمية والمساعدات التعليمية عبر منح لتحضير نخبة لاتينية في مجالات أساسية تشكل الرافعة لإعادة البناء الاقتصادي، كما يقول أكثر من مسؤول أميركي، وفي الاستعداد لعقد اتفاقيات تجارية تساهم في تعزيز قطاعات إنتاجية إستراتيجية في الدول اللاتينية إلى جانب التوجه نحو تخصيص مساعدات للدول الصغيرة والمحتاجة.
ويشكل هذا العنصر الأخير انقطاعا أو حتى انقلابا عن المقاربة الاقتصادية الأميركية السابقة نحو حديقتها الخلفية واعترافا بفشل تلك السياسة وبتداعياتها الخطيرة على المصالح الأميركية. لكن ما يمكن وصفه بسياسة جديدة مازال في مرحلة البلورة ولم يترجم بعد إلى واقع جديد رغم انه يلاقي صدا ايجابيا وتشجيعا ودعما بشكل عام من الحزب الديمقراطي في واشنطن.
ويبقى السؤال قائما هل أن هذه العودة إلى الحديقة الخلفية في عناصرها المشار إليها ستؤسس لعلاقات جديدة بين القوة الفائقة وأميركا اللاتينية وبالتالي تكون مؤشرا على بداية حدوث تغيير في السياسة الأميركية على الصعيد العالمي بعيدا عن الإيديولوجية والفوقية وسياسات الوصفات الجاهزة وعودة إلى الواقعية وفهم الخصوصيات والأجندات الإقليمية ربما استفادة من دروس قد تكون واشنطن بدأت بالوصول إليها.
ولو بشكل بطيء وإيحائي في الشرق الأوسط أم أن هذه الجولة الرئاسية هدفها سحب البساط من تحت معارضة متزايدة في واشنطن لتجاهل أميركا اللاتينية وهو هدف مهم وضروري لأسباب انتخابية عشية السنة الأخيرة لإدارة الرئيس بوش الثانية. يبقى على المستقبل القريب أن يثبت أي من الحالتين هو الأصح في دبلوم.
كاتب لبناني