عقد مؤخراً في بغداد مؤتمر دولي لبحث قضية العراق وتفاعلاتها الداخلية والإقليمية والدولية وشهد المؤتمر حضور عدد من الدول العربية والأجنبية إضافة إلى ممثل الجامعة العربية وعدد من كبار الشخصيات السياسية في العراق وخارجه .
وجلس بعض الحضور الذي جلبته خطاه إلى بغداد متحملا ثعابينها ونيرانها على أمل أن يحدث هذا المؤتمر فرقا في مجرى الأحداث المتجهة سريعا نحو قاع الهاوية . أما البعض الآخر فقد حضر وصفق وهلل واطنب في الشعارات على الرغم من انه مستمر في دوره وجهوده في النفخ على النار التي تحرق العراق والعراقيين يوميا .
كل المعطيات التي سبقت عقد هذا المؤتمر كانت تقول ان فشل المؤتمر واضح من عنوانه. وفعلا كان عنوان المؤتمر في بغداد فهل تنفع بغداد التي تلهب النيران في كل شارع وزقاق وسوق فيها لعقد مؤتمر دولي يناقش المنحدر العراقي الخطر، وبعيد عن جدلية المكان هل هذا هو التوقيت الصحيح لعقد مثل هذا المؤتمر ؟الخطة الأمنية الأميركية تنهار يوميا وفات الأوان لمناقشة وسائل دعمها.
الصراع الطائفي أصبح أمراً واقعيا وفات الأوان على وضع حد له. انهيار الحكومة العراقية وتداعي ركائزها على اثر انسحاب الكتل السياسية من العملية السياسية الواحدة تلو الأخرى أصبح أمراً وقعاً. خطوة عقد هذا المؤتمر بدأت ظاهريا تحمل كل النوايا الطيبة وتوحي أن الحكومة العراقية غاية في الجدية والثقة من قدراتها إلى درجة عقد مؤتمر دولي في بغداد ولمناقشة قضاياه الأمنية مع العالم .
إلا أن أحداث المؤتمر سرعان ما أثبتت واقعا مغايرا. حيث إن المؤتمر فشل على جميع المستويات: على المستوى الأمني: شهد انعقاد المؤتمر اختراقات أمنية كبيرة كان أهمها قصف مبنى وزارة الخارجية العراقي الذي كان يضم بعض من الشخصيات والوفود المشاركة في المؤتمر الامر الذي كاد ان يسبب بكارثة.
هذه العملية في الواقع كانت رسالة تحدي وتنبيه للحكومة العراقية والوفود المؤتمرة مفادها التحذير من عقد اي تجمعات دولية لان الامن في العراق اصبح قضية منتهية ومحسوبة جملة وتفصيل لصالح المليشيات والجماعات المسلحة وهذه الرسالة كانت ابلغ واوضح من الرسالة التي ارادت ان تقدمها الحكومة العراقية الى المجتمع الدولي .
على المستوى التنظيمي: لم يكن تمثيل الوفود المشاركة على مستوى القمة. فرؤساء الوفود المشاركة كانوا سفراء او مبعوثين ما عدا سوريا وايران. وبالتالي لم يخرج المؤتمر بنتائج سياسية واضحة او يحقق اي انجازات على مستوى الواقع. او حتى يشكل فرقا في لقاء الحكومة العراقية بدول العالم الاخرى. بل ان اهم ملامح فشل المؤتمر هو عدم تقديم بيان ختامي كما هو معتاد في اي مؤتمر دولي يناقش قضية حساسة وخطيرة كقضية العراق .
على المستوى الموضوعي: ولو افترضنا جدلا ان المؤتمر انتهى الى نقطتين:
اولا:الاعلان عن تشكيل ثلاث لجان هي الامنية،والنفط، والمهجرين.
وثانيا: الاتفاق على عقد مكان بديل للمؤتمر اما ان يكون تركيا او القاهرة.
في الواقع ان تلك النتائج ان كانت قد جاءت على هوى معظم المؤتمرين وخاصة الولايات المتحدة التي علنت عن أن المؤتمر يعتبر خطوة مهمة في العراق،وكذلك إيران حيث عبر وكيل وزارة الخارجية الإيرانية عباس اراغتشي عن أن المؤتمر كان ايجابيا. الا ان تلك النتائج في الواقع قد خيبت امل المواطن العراقي الذي كان يأمل من المؤتمرين ان يكونوا اكثر جدية في بحث قضية الأمن في العراق ومستقبل الصراع المتصاعد فيه.
وعليه ولكي لا نكذب على أنفسنا . في الواقع إن المؤتمر هو حلقة في مسلسل المباحثات المبطنة بين الولايات المتحدة من جهة وإيران وسوريا من جهة أخرى. وكل الحضور الآخرين مع بالغ الاحترام لم يكونوا سوى ستر لهذا إلقاء المستتر. وهو ما ألمح إليه السفير الأميركي زلماي خليل زاد الذي صرح إلى استعداد الولايات المتحدة لعقد محادثات ثنائية مع إيران عشية مؤتمر بغداد.
وقال خليل زاد : «إذا وجدنا أن المحادثات الثنائية (مع إيران) ستكون مفيدة فإننا مستعدون لفعل ذلك». وأضاف:«قلنا منذ مدة انه إذا كانت ثمة جدوى من هذه المحادثات فإننا مستعدون للجلوس مع الإيرانيين والحديث حول العراق».
وصرح الرئيس الأميركي جورج بوش بأن الرسالة الأميركية لدمشق وطهران ستكون واضحة «رسالتنا للسوريين والإيرانيين لن تتغير خلال ذلك الاجتماع.. نتوقع منكم (سوريا وإيران) مساعدة هذه الديمقراطية الشابة».
إلا أن إيران ردت على الغزل الأميركي بالتمنع حيث صرح عباس اراغتشي أن إيران لم تقم بأي مباحثات مباشرة مع الولايات المتحدة. عموما فان كل ما كان يدور في المؤتمر لم يكن سوى ذر الرماد في العيون عن مباحثات ورسائل متبادلة إيرانية أميركية وهو ما سيكون أكثر وضوحاً في المؤتمر القادم والذي قطعا لن يجري في بغداد.
إذن حرائق بغداد لم تكن هدف المؤتمرين الذي عقد لتلطيف الأجواء بين المتصارعين الأساسين في العراق . وربما كلمة وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري كانت بليغة عندما قال «لن نسمح بان يكون العراق ساحة لتصفية الحسابات بين المتصارعين». حيث إن تصفية الحسابات بعد مؤتمر بغداد سيكون دبلوماسيا إلى جانب المسار المسلح.
وختاما يبدو أن المؤتمرين بما فيهم الحكومة العراقية اغفلوا حقيقة مهمة ،وهي انه عندما تحترق بغداد ويحترق العراق فان النار لن تبقى تحت سيطرة المتصارعين الكبار الذي ضمهم المؤتمر . بل لجماعات وقوى لم تدع للمؤتمر وهي لا تزال خفية وغير مسماة تؤدي دور اللاعب الخفي في الأحداث الدامية في العراق.
ليس لها طائفة أو دين أو دولة وهي موجودة اليوم وسوف يزداد عددها وتعدادها بعد أن تغذيها صراعات الطامعين والمحتلين. هذه القوى ستسعى إلى إيصال النار إلى ابعد نقطة في الشرق الأوسط ولن تسلم من هذا أي قوة كبرى أو طامحة .
وبالتالي فالحسابات الفردية والنظرة الضيقة للأمور والمطامع التاريخية والتجاذبات الجانبية والحوارات المستترة لن تؤتي أكلها في تحقيق أي مصلحة أو مد أي نفوذ في ارض سوف تتحول إلى بركان تصهر حممه كل عمار وقفار في الأرض العربية وغير العربية .
كاتبة عراقية
