في مساء يوم الأحد 11 مارس 2007 طوت فرنسا صفحة، بل «فصلا كاملا»، من تاريخها السياسي الحديث، فقبل أربعين عاما أولى أبناء منطقة «الكوريز»، وسط فرنسا، ثقتهم لمرشح شاب «مغمور آنذاك» اسمه جاك شيراك، كي يمثلهم في الجمعية الوطنية الفرنسية.
ألقى ذلك النائب الشاب بنفسه منذئذ «قلبا وقالبا» في معترك السياسة وخاض معاركها كلها وتولّى مسؤوليات كبرى في آليات صنع القرار ببلاده كوزير وكرئيس للوزراء مرتين قبل أن يصبح في عام 1995 الرئيس الخامس للجمهورية الفرنسية الخامسة التي أسسها الجنرال شارل ديغول عام 1958،
وفي مساء يوم الأحد ، 11 مارس، تحدث الرئيس جاك شيراك للفرنسيين قرابة عشر دقائق، عبر شاشات التلفزة الوطنية. لقد بدا متأثرا وهو يوجه لمواطنيه «كلمات وداعية» بعد اثنتي عشرة سنة أمضاها في قصر الاليزيه، مقر رئاسة الجمهورية الفرنسية، فماذا قال لهم؟
قال لهم أولا إنه «لن يطلب ثقتهم لفترة رئاسية ثالثة» واضعا بذلك حدا نهائيا لحالة من التساؤل والشك استمرت أشهرا طويلة عما إذا كان «سيرشح» أم «لن يرشح» نفسه للرئاسة من جديد؟ بكل الأحوال لم يكن من السهل عليه، دون شك، اتخاذ قرار التخلي عن كرسي السلطة التي طالما تقاتل الطامحون إليها وسالت من أجلها دماء كثيرة عبر مسيرة التاريخ الإنساني كله.
لكن تبقى فضيلة شيراك أنه «لم يكابر» عندما فهم أن لا حظ له في الفوز فهو لا يمتلك «النواة الصلبة» حوله ولم يعد يمتلك «الآلة السياسية» الحزبية بعد أن اختار حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية ـ حزب شيراك أصلا- مرشحا آخر هو نيكولا ساركوزي.
شيراك «لم يكابر» إذن، وأعلن للفرنسيين أنه ليس مرشحا لخلافة «نفسه». فضّل أن يتجه نحو «التاريخ». إن انسحابه من «السباق» الرئاسي الفرنسي يشكل في الواقع سابقة أولى في تاريخ الجمهورية الفرنسية الخامسة.
ففاليري جسكار ديستان قد ترك السلطة «مهزوما» في الانتخابات أمام فرانسوا ميتران عام 1981 والجنرال شارل ديغول نفسه قرر الاستقالة في منتصف الليل إثر «هزيمة» مشروع إصلاح كان قد طرحه للاستفتاء أمام الناخبين الفرنسيين. أما جورج بومبيدو فقد توفي وهو على رأس السلطة بينما سعى فرانسوا ميتران في أواخر ولايته الرئاسية الثانية إلى الوصول بها إلى نهايتها في سباق مع المرض العضال القاتل.
وقال شيراك للفرنسيين إنه «يحبهم» وإنه «لم يستطع أن يقدّم لهم كل ما كان يريد تقديمه» وإنه «سوف يخدمهم فيما بعد بطريقة أخرى». وأكّد لهم وهم الذين «يسكنون قلبه في كل لحظة» أن عليهم مسؤولية سمو مكانة فرنسا في العالم بـ «فضلهم».
ووجه شيراك للفرنسيين عدة رسائل. لقد نصحهم بـ «البعد عن التطرف ورفض الآخر» وضرورة «الإيمان بالنفس وبفرنسا» وعدم التفريط بـ «النموذج ـ الموديل ـ الفرنسي» في طريقة إدارة الدولة والمجتمع مؤكدا أن «غناه بتنوعه» على قاعدة «العلمانية»، وبـ «عدم نسيان أوروبا» التي أراد لها أن تكون «قوية» وأن يكون لها صوت سياسي مسموع عبر استكمال البناء الأوروبي.
وأكّد شيراك أن «فرنسا ليست بلدا كالبلدان الأخرى» بسبب تمسكها بقيمها الكونية. وأعلن عن رفضه القاطع لـ «صدام الحضارات» ومطالبته بـ «حوارها» على قاعدة احترام الآخر. وشدد على أن واجب فرنسا الضغط من أجل «تنمية مستدامة» لفائدة جميع البشر، وخاصة الشعوب النامية إذ «من الخطير الذهاب بعيدا في ليبرالية لا كوابح لها». ولم ينس الرئيس شيراك ضرورة إقامة علاقات صحيحة مع «الطبيعة» بهدف حماية البيئة.
هذه هي النقاط الرئيسية التي تحدث بها شيراك للفرنسيين كي «يودعهم» كرئيس، وهي بدون شك تستحق بـ «جدارة» أن تكون في صميم برنامج أي مرشح للرئاسة. وعلى أقل تقدير هي «نصائح» لمن سوف يخلفه، أو تخلفه، كائنا من يكون في قصر الاليزيه يوم7 مايو القادم.
ما قاله شيراك للفرنسيين «يقصده» تماما وهو «يعبر» عن أفكاره بقدر كبير من الأمانة، بل و«يفصح» عن أن قلبه ينبض «ناحية اليسار» ولو أنه أمضى مسيرة حياته وهو يركب «قطار اليمين» بل ويتولى قيادته لسنوات طويلة.
وقد لا يعرف الكثيرون أن شيراك قام في سنوات شبابه بتوزيع «منشورات» يسارية، وأنه عمل عندما كان طالبا شابا في أميركا بغسل الأطباق في أحد المطاعم،ليس من موقع «الحاجة» وإنما كموقف «ايديولوجي» آنذاك. وهجومه الأخير في «حديث الوداع» على الليبرالية المتوحشة يتماشى مع تصريح «مدهش» له قال فيه: «تمثل الليبرالية بالنسبة للديمقراطية تهديدا مماثلا لما كانته الشيوعية زمن الحرب الباردة» .
ويندرج في سياق الاقتراب من مواقع اليسار في العديد من مواقفه في نهاية عهده خاصة فيما يتعلق بالبيئة وإدراج إلغاء عقوبة الإعدام في الدستور الفرنسي والمطالبة بإلغاء الديون عن الدول الفقيرة، خاصة في إفريقيا، والمطالبة بتحقيق التنمية المستدامة، الخ.
ليس المهم العواطف وتصنيفاتها «على اليسار» أو «على اليمين» وإنما السلوكيات والأفعال. أليست «جهنم مليئة بالنوايا الحسنة»؟، كما يقال. هنا ينبغي الفصل بالنسبة لصورة الرئيس شيراك، لدى الفرنسيين، بين مستويين: داخلي وخارجي.
على المستوى الداخلي، فاز الرئيس شيراك رئيسا للمرة الأولى عام 1995 بعد حملة انتخابية كان محورها الأساسي هو «مسألة الأمن». وفاز رئيسا للمرّة الثانية عام 2002 حول محور محاربة «الشرخ الاجتماعي». النتائج متواضعة اليوم في الحالتين.
وإذا كان شيراك قد ركّز في كلمته الوداعية على محاربة التطرف، وهو محق بذلك دون شك، فإن هذا لم يمنع واقع أن خصمه في الدورة الانتخابية الرئاسية الثانية، الدورة الحاسمة، عام 2002 كان جان ماري لوبن زعيم اليمين المتطرف الفرنسي. النتائج كانت متواضعة أيضا على صعيد محاربة البطالة، وعلى صعيد ديون فرنسا الخارجية التي ازدادت من 657 مليار يورو عام 1995 إلى 1200 مليار يورو عام 2006.
هناك أشياء أخرى كثيرة يمكن قولها في هذا الإطار، وبالتأكيد لا يمكن تحميل المسؤولية كلها على الرئيس شيراك ولكن لا يمكن إعفاؤه من المسؤولية كلها. وباسم «روح المسؤولية» نفسها، لكن شيراك محبوب في الخارج أكثر من الداخل، ومحبوب من الفرنسيين، بل وموضع فخرهم كما عبر سياسيوهم «من أصدقاء الرئيس وخصومه» على حد سواء. وسيذكر الفرنسيون طويلا أنه الرجل الذي قال لا للحرب الأميركية-الانجليزية على العراق عام 2003.
شيراك سيكون له مكانه في تاريخ فرنسا، ولا شك أنه كان يتمنّى أن يتركها «أجمل» و«أقوى» و«أكثر شبابا» وطبقاً للصورة التي وصفها في كلمات «الوداع». لكن الواقع لا تصنعه الرغبات.
وقال شيراك للفرنسيين في حديث الوداع إنه سوف يقترع في الانتخابات الرئاسية حسب «ما يمليه ضميره». لكن ما لم يقله لهم هو أنه سوف يتوجه لهم مرّة أخرى كي يعلن عن مرشحه المفضل خلال الأيام القادمة. بالتأكيد «لن يلعب ضد معسكره» ولا يمكن توقع سوى دعمه لنيكولا ساركوزي رغم أنه «لا يحمله في قلبه». للسياسة أحكامها... و«دهاليزها».
كاتب سوري
