بغض النظر عن مسألة (الإجراءات) التي استندت إليها ليبيا في إعلان عدم حضورها – حتى الآن – للقمة العربية، والتي تخفي وراءها خلافاً نرجو أن تنجح الجهود لتصفيته.. بغض النظر عن ذلك فإن عقد القمة العربية لأول مرة في منطقة الخليج العربي هو أمر يحمل أكثر من معنى ينبغي التأكيد عليه:
• فالحضور العربي إلى الخليج في هذه الفترة هام وحيوي في وجه عواصف شديدة تأتي من أكثر من اتجاه.. فما يجري في العراق سوف يترك آثاره على المنطقة لفترة طويلة، وإذا كانت الهزيمة الأميركية قد أصبحت أمراً واقعاً، فإن المشكلة هي ما ستتركه وراءها من إرهاب لم يكن موجوداً قبل الاحتلال، ومن مخططات تسعى لتقسيم العراق، ومن فتنه شيعية – سنية يراد لها أن تنتقل بسرعة إلى خارج العراق. وليس من عاصم من كل ذلك ألا إرادة عربية طال غيابها وآن لها أن تسترد عافيتها، وأن تدرك أن العراق لو ضاع فلن تكون خسارته هي الأخيرة.
• والحضور العربي في الخليج هو رسالة إلى الجار الإيراني بأننا ندرك أن من حقه أن يسعى لتأمين مصالحه، وأن عليه أيضاً أن يدرك أن من حقنا أن نسعى لتأمين مصالحنا، وأن نؤمنها من خلال عمل مشترك هو وحده القادر على تحقيق الأمن القومي، وعلى الدخول في حوار مع الجار الإيراني من اجل التفاهم حول مصالح الطرفين.
• والحضور العربي في الخليج سوف يكون رسالة للإدارة الأميركية بأن مغامرتها البائسة في العراق وما جرته من كوارث على الشعب العراقي وعلى المنطقة وعلى أميركا نفسها لا ينبغي أن يتكرر بحرب ثانية ضد إيران سوف تكون نتائجها كارثة اكبر على الجميع, ولن يستفيد منها إلا إسرائيل التي تحاول من خلال العصابة اليمينية الصهيونية المتحكمة في إدارة بوش أن تقنع الرئيس الأميركي أن ضرب إيران هو الحل الذي يخرجه من كل ورطاته.
• والحضور العربي في الخليج سوف يعني التصدي للمحاولات التي بذلت في السنوات الماضية من اجل فصل الخليج عن أمته العربية. هذه المحاولات التي ازدادت ضراوة بعد كارثة الغزو العراقي للكويت، والتي تم استغلاله لضرب فكرة العروبة نفسها ومحاولة تصويرها بأنها دعوة للتوسع ومحاولة إقامة إمبراطوريات مصطنعة، بدلاً من إقرار حقيقة أن العروبة هي التعبير الحقيقي عن وجود العرب، وانها لم تكن يوماً دعوة للعنصرية ولا إقراراً بغزو دولة، بل ان العكس هو الصحيح..
فالعروبة هي التي حمت الكويت نفسها من عدوان عبد الكريم قاسم في الستينات، والعروبة هي التي جعلت عبد الناصر يرفض التصدي بالقوة لقوات الانفصال في سوريا تاركاً أمرهم للشعب، والعروبة هي التي حمت الخليج من أطماع الشاه وأعطت لدوله هويتها وكيانها.لم تكن العروبة وهماً كما قال بعض الأشقاء حين اختلطت الرؤى بعد غزو الكويت بل هي الحقيقة الأساسية والباقي تفاصيل.
• والقمة العربية التي ستنعقد في السعودية لأول مرة تعني هزيمة التيار الذي كان يعتبر العروبة خروجاً على الإسلام، ويؤمن بأن القومية العربية - مثل غيرها من القوميات – لا مكان لها في ظل إسلام أممي. هذا التيار الذي تم استغلاله لضرب مشروع النهوض العربي، ثم للتغرير بشبابنا ليحاربوا معارك أميركا في أفغانستان وغيرها تحت دعوى »الجهاد« ثم لتخريب المجتمعات العربية باعتبارها مجتمعات كافرة.
والآن يتواصل التآمر، ويدخل هذا التيار في قلب المخطط الذي يرمي إلى تفتيت الأمة العربية وإغراقها في حروب دينية تتقاتل فيها السنة مع الشيعة، ثم كل فريق منهما مع نفسه بعد أن يقسم إلى فرق سنية تتقاتل فيما بينها، وشيعية تتقاتل هي الأخرى، ولتصبح بعد ذلك أمام بقايا صغيرة منكسرة تدخل في مشروع الشرق الأوسط الكبير تحت هيمنة القوى الإقليمية غير العربية.
وفي ظل هذه الأخطار يتأكد اليقين بأن الإنقاذ الوحيد هو في الإدراك بأن عروبة المنطقة هي الخط الأحمر الذي لا بد أن نقاتل عنده، وأنها الرابطة الأساسية التي تحافظ على مصالحنا وتؤمن مستقبلنا، وانها الأساس الذي ينبني عليه بعد ذلك ترابطنا مع شعوب إسلامية بما يحقق للجميع مصالحه.
هذه بعض رسائل انعقاد القمة العربية لأول مرة في منطقة الخليج العربي. ولكن المؤسف حقاً أن يأتي ذلك في لحظة من أسوأ اللحظات التي تمر بها الأمة العربية. ومن هنا فلا أحد ينتظر المعجزات، وإنما السؤال الذي سيكون مطروحاً على القمة هو : هل النظام العربي، بصورته الراهنة، وبكل سلبياته، قادر أن يواجه الأزمة التي أصبحت لا تهدد وجوده فقط، بل تهدد وجود الأمة كلها ؟ وما هو المطلوب على وجه السرعة لأداء هذه المهمة ؟ وهل نملك الأدوات اللازمة لمواجهة هذا التحدي.. وكيف نستخدم هذه الأدوات ؟
اننا في أزمة، ولكن أعداءنا والأطراف الأخرى في المواجهة في أزمة قد تكون اكبر.أميركا – بكل إمكانياتها- انهزمت في العراق، ورغم كل مناورات بوش، فإنه يعرف ان كل ما يفعله لن يؤمن له انتصاراً مستحيلاً بل غاية ما يطلبه هو »الانسحاب بشرف«.. صحيح انه مازال يرسل التعزيزات العسكرية للعراق ولكنه يعرف ان الجيش الأميركي مشغول بإعداد خطة الانسحاب.
وانهم يرددون الآن إن النجاة من مصير »فيتنام« هي بالذهاب إلى نموذج »السلفادور« وذلك بالاكتفاء بالتركيز على وجود قوات محدودة تقوم بتدريب العراقيين، بالإضافة إلى وجود قواعد عسكرية قد تكون آمنه – حاليا- في كردستان، ولكنها لن تكون كذلك في باقي العراق.
وإسرائيل مازالت تعاني من آثار الفشل في لبنان، وسوف يستمر ذلك لفترة طويلة، لأنها تعودت أن تهرب من الفشل والأزمات الداخلية إلى حروب جديدة تحقق فيها انتصاراً وتجمع فيها الفئات المبعثرة داخل الكيان الصهيوني أمام خطر حقيقي أو زائف.
وهو ما تحاول الآن بالضغط على أميركا لمنحها الموافقة على ضربة جديدة في لبنان أو سوريا أو المنشآت النووية الإيرانية. لكن الإدارة الأميركية تعرف عواقب هذا الهوس الصهيوني وتحاول الاستمرار في إخفاء الحقيقة عن الشعب الأميركي حتى لا يعرف إنها ذهبت إلى العراق لتحقيق أهداف إسرائيلية دفعت فيها أرواح الآلاف من الشباب الأميركي بالإضافة إلى الخسائر الفادحة مادياً ومعنوياً، وهي بالتالي لا تريد التورط في المزيد.
وإيران تدرك ان الغزو الأميركي للعراق قدم لها اعظم الخدمات.. فقد تخلصت من قوة عسكرية واقتصادية كبيرة ناصبتها العداء لسنوات، وفتحت لها الطريق لتمد نفوذها في العراق وعندما تم الكشف عن برنامجها النووي السري كان أمامها 160 الف جندي أميركي أشبه بـ »الرهينة« في العراق.
وكان أمامها إدارة أميركية مهزومة داخليا أمام الديمقراطيين وخارجيا في العراق، وحكومة إسرائيلية تواجه آثار الفشل أمام حليف لإيران في لبنان. ورغم الأصوات العالية هنا وهناك، فإن أصواتا فاعلة في الحياة السياسية الإيرانية مثل الرئيسين السابقين خاتمي ورفسنجاني تدعو للحوار مع أميركا، وتدرك أن ظروفاً كثيرة تدفع في اتجاه عقد »الصفقة« بين الطرفين.
وسط هذا كله تجتمع القمة العربية. وإذا استبعدنا احتمال الفشل الكامل الذي سيكون إعلانا رسمياً بوفاة النظام العربي بصورته الراهنة، وإذا استبعدنا أيضا انتظار المعجزات التي لن تتحقق، فإننا نجد أنفسنا أمام طريقين:
طريق مسايرة الجهود الأميركية لتهدئة الموقف في المنطقة، لتأمين الظروف الملائمة لخروج مشرف للقوات الأميركية من العراق. وهي جهود »اكتشفت!!« فيها الإدارة الأميركية أن القضية الفلسطينية مازالت هي القضية المركزية التي لن يكون هناك استقرار في المنطقة بدون حلها، ووعدت بتكثيف جهودها على طريق حل الدولتين الذي كان الرئيس الأميركي قد ارتبط به ثم جمده.
وإذا كانت آثار هذا التوجه قد ظهرت في وضع الأزمة اللبنانية على طريق الحل، وفتح الباب للحوار مع إيران سواء عن طريق السعودية أو فى اجتماع بغداد، ثم التوصل لاتفاق مكة بين »حماس« و»فتح«، فإن المؤكد ان ما يجري وراء الستار هو الأهم.. سواء على طريق إنشاء تكتل »المعتدلين«.. أو إحياء المبادرة العربية التي »اكتشفت!!
« إسرائيل أخيرا إنها تمثل أساسا للحل أو أن فيها عناصر إيجابية لم ترها طوال خمس سنوات!! لكن الخطير هنا هو محاولة إسرائيل لإحداث تغييرات في المبادرة تمس الحدود وحقوق اللاجئين أساسا، ثم السعي لإغراق العرب في تفاوض طويل حول كل عناصر المبادرة وبهدف الحصول على الاعتراف العربي أولا ثم البحث عن السلام بعد ذلك.. وهو أمر لا بد من رفضه وبكل حسم.
•الطريق الآخر هو امتلاك رؤية عربية تتفق عليها القوى العربية الرئيسية للتعامل مع الموقف المعقد. رؤية تدرك ان كل الأطراف في أزمة، وأننا نمتلك أوراقاً كثيرة للتعامل الإيجابي مع الموقف، وأننا نستطيع تجنب الكارثة التي تهدد بإغراق المنطقة في الفوضى والعنف وحروب الطوائف إذا أحسنا استخدام ما نملكه من إمكانيات (وهي كثيرة) وإذا كانت المصلحة العربية وحدها هي ما يجمعنا ويوحد جهودنا.
والرسالة هنا ينبغي ان تكون واضحة بأننا ضد تقسيم العراق تحت أي ظرف ، وبأن الانسحاب الأميركي ينبغي أن يتزامن مع حل الميليشيات، ومنع التدخل الأجنبي بأي صورة ، مع الوضع في الاعتبار أن الحوار العربي - الإيراني أصبح أمراً ضروريا وإذا كان الوضع في لبنان يسير على طريق الحل، فإن الخطر سيظل قائماً لفترة طويلة لأنه في النهاية مرتبط بأوضاع المنطقة وصراعاتها.
وفي القلب منها الوضع الفلسطيني الذي لا ينبغي أن يقتصر الموقف العربي بالنسبة له على تحقيق مصالحة داخلية أو تشكيل حكومة لا تملك من أمرها شيئاً، ولا ينبغي أيضا أن يقتصر على رفض تعديل المبادرة العربية وإعلان التمسك بها، وإنما ينبغي أن توضع أميركا والقوى الفاعلة في العالم أمام مسؤولياتها، فتعلن القمة إنها تقدم مبادرتها لفترة محددة (ولتكن ستة أشهر) تلتزم خلالها الفصائل الفلسطينية بالتهدئة.
فإذا رفضت إسرائيل وأميركا الالتزام بالانسحاب إلى حدود 67 وإقامة الدولة الفلسطينية والتباحث حول باقي بنود المبادرة استناداً إلى القرارات الدولية، فعندما تتم مراجعة الموقف العربي بما فيه موقف الدول التي تعترف بإسرائيل وتقيم علاقات معها، كما تتم مراجعة الالتزام الفلسطيني باتفاقيات أوسلو وجدوى استمرار السلطة الفلسطينية في الالتزام بها.
إننا أمام شهور حاسمة، وإذا مضى هذا العام بدون إنجاز حقيقي فستضيع فرصة ثمينة، وسيرتد الأمر علينا بمزيد من الأزمات الداخلية والإقليمية. ونقطة الحسم في كل ذلك أن نملك الإرادة على اتخاذ القرار المستقل الذي يحقق المصلحة العربية، وأن نحشد الصف العربي والإمكانيات العربية وراء هذا القرار.. مستندين إلى ركيزة أساسية لابد من بذل كل الجهود لإقامتها عبر استعادة محور القاهرة – دمشق – الرياض لفعاليته، وطي صفحة الخلاف الذي يفقد العمل العربي الكثير من إمكانياته ويبدو الكثير من طاقاته.الإنقاذ الوحيد هو الإدراك بأن عروبة المنطقة هي الخط الأحمر الذي لا بد أن نقاتل عنده.
نقيب الصحافيين المصريين