بعد ان ظهرت حكومة الوحدة الوطنية الى حيز الوجود مخترقة صعوبات ومحادثات وتدخلات خارجية متعدد، فإن الشعب الفلسطيني بكل قياداته وفصائله وأحزابه تجاوز مرحلة الاقتتال والخلافات الهامشية الضيقة وحقق انجازاً وطنياً تاريخياً هاماً على الصعيد الداخلي والاهم من ذلك أو المماثل لذلك في الاهمية على الصعيد الخارجي ان الفلسطينيين بهذا الانجاز الكبير قد نقلوا الكرة من جانبهم في الملعب السياسي الى النصف الدولي من الملعب .
واصبح على العالم ان يتعامل مع هذه الحقيقة السياسية الفلسطينية الجديدة بكل ما يتطلبه هذا التعامل من تعاون لما فيه مصلحة الشعب الفلسطيني خاصة ومسيرة السلام والاستقرار في المنطقة على وجه العموم. وقد شكلت الحكومة الجديدة استناداً الى اتفاق مكة المكرمة الذي نص فيما نص عليه على احترام قرارات الشرعية الدولية والاتفاقات السابقة التي وقعتها منظمة التحرير الفلسطينية مع اسرائيل .
واكد على ان الرئيس محمود عباس باعتباره رئيساً للسلطة الفلسطينية وللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير هو المفوض والمخول بمتابعة محادثات السلام ومن الواضح ان هذه الخطوط العامة ستمثل احد المحاور الاساسية في البيان الوزاري الذي ستتقدم الحكومة الوطنية بناء عليه بطلب الثقة من المجلس التشريعي في الموعد المحدد لهذه الغاية والمقر مبدئياً يوم غد.
وحيث ان اشكالية الاعتراف باسرائيل التي تعتبر العقبة الكبرى أمام رفع الحصار الدولي عن الشعب الفلسطيني واستئناف عملية السلام المجمدة منذ أكثر من ست سنوات - حيث ان هذه الاشكالية قد وجدت طريقها للحل من خلال احترام حماس للاتفاقيات السابقة والتي تنص صراحة على الاعتراف المتبادل بين منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني واسرائيل فان الاصرار والعناد والمكابرة من جانب الحكومة الاسرائيلية على ضرورة اعتراف حركة حماس بحق اسرائيل في الوجود يعد نوعاً من المماحكة السياسية غير المبررة على الاطلاق ويضع العصي في عجلات كسر الجمود الراهن المخيم على الاوضاع السياسية والامنية في المنطقة والذي ينعكس سلباً على مناطق أخرى من العالم.
ان العديد من القوى الدولية في اوروبا وآسيا وغيرهما تدرك ان تشكيل حكومة الوحدة الوطنية هو أقصى ما يمكن للشعب الفلسطيني ان يقوم به في اطار الحفاظ على السلام والامن الوطني والاجتماعي ووضع حد للتوتر الذي وصل حد الاقتتال المسلح بين الفصائل الفلسطينية. وهذه الحكومة هي البديل لخيار آخر يرفضه الفلسطينيون ويدينونه وهو العنف الداخلي الذي يشغل الفصائل الفلسطيني عن النضال من اجل تحقيق التطلعات الوطنية المشروعة والمشتركة في انهاء الاحتلال واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
ويبدو ان بعض الجهات التي لا تريد الخير للفلسطينيين لا تمانع - وهذا هو الوصف المخفف - في انشغال الفصائل بالاقتتال فيما بينها عن التوجه لجمع الكلمة ورص الصفوف وحشد كافة الطاقات والامكانات للوصول الى التسوية السلمية العادلة للقضية الفلسطينية بكل ابعادها وجوانبها.
ومن المؤكد ان رد الفعل الاسرائيلي الاولي على تشكيل حكومة الوحدة لم يكن ايجابياً على الاطلاق: حيث توعدت مصادر رسمية اسرائيلية بمقاطعة الحكومة الجديدة ولم تكتف بذلك بل شرعت في اطلاق حملة تحريض على الصعيد الدولي ضد هذه الحكومة للمطالبة بعدم التعامل معها وباستمرار الحصار الاقتصادي والسياسي الظالم ضد الفلسطينيين .
هذا في الوقت الذي تتوفر فيه معطيات عديدة وثابتة على النوايا السلمية للقيادة الفلسطينية، رئاسة وحكومة، كما ان من السابق لأوانه الحكم على توجهات حكومة الوحدة حتى قبل ان تعرض برنامجها السياسي على المجلس التشريعي. والكرة الآن مجدداً في ملعب الاسرة الدولية وهي وحدها التي تمتلك الخيار بين الخضوع للاملاءات الاسرائيلية غير المنطقية وغير المبررة، أو أخذ التحول الملحوظ في توجهات الحكومة الجديدة وحركة حماس بعين الاعتبار والتصرف بطريقة ايجابية، انطلاقاً من هذا التحول الفلسطيني في اتجاه السلام العادل واستئناف التواصل والتعاون مع المجتمع الدولي.