بهمة عالية يحسدون عليها، وبعزيمة لا تعرف الوهن واللين، كشف «أبطال» حكومة السيد فؤاد السنيورة النقاب عن خفايا جريمة «عين علق» وشاهدنا «السباع» على شاشات الفضائيات قوية سعيدة بهذا الإنجاز الأمني الخطير، وليوجهوا الاتهامات إلى حيث اعتادوا منذ أكثر من عامين.

هنيئاً لنا وللعرب وللبنانيين هذا الإنجاز الأمني غير المسبوق في عهد هذه الحكومة، وهو الإنجاز الذي انتظره اللبنانيون طويلاً بعد عجز تام وكامل ومخز عن اكتشاف أي خيط يؤدي إلى أي معلومة تفضي إلى كشف إعلامي ـ إعلاني لأي جريمة ارتكبت خلال هذين العامين، حتى تلك التي وقعت في وضح النهار وعلى رؤوس الأشهاد. ‏

يحق للأشقاء اللبنانيين أن يفرحوا بما حققته أجهزتهم الحكومية، على الأقل فهذه الأجهزة «قلعت عين إبليس» عندما اكتشفت ما جرى في «عين علق» أو أنها أرادت أن تقلع هذه العين وتقدمها هدية لسورية ولمن تسميهم «الموالين لسورية في لبنان». ‏

لم نعد نستغرب توجيه الاتهامات لسورية في كل جريمة تقع في لبنان، ولو حدث العكس لكانت المفاجأة، فقد ألفنا الاتهامات وبتنا نتوقع حتى العبارات نفسها التي تصدر عن الأشخاص أنفسهم، وكانت توقعاتنا تصيب دائماً. ‏

لكننا نستغرب ضعف البيان والخطاب السياسي لفريق 14 شباط الذي لم يوفق في أي يوم مضى عندما كان يوجه الاتهامات لسورية، ولم يوفق أكثر عندما خرج سبع مسرحيات الرحابنة ليستعرض عضلاته ويعلن عن اعتقال مجموعة إرهابية تنتمي إلى «فتح الإسلام» متهمة بتورطها في تفجير حافلتي «عين علق»، وهذا السبع ربط الجماعة الإرهابية بالمخابرات السورية، فيا للروعة ويا لهذا الذكاء الخارق!. ‏

فات السيد سبع أن سورية دولة علمانية لا تتعامل مع الجماعات السلفية، خاصة الإرهابية منها التي امتهنت القتل والتفجيرات والاغتيالات، ونسي «سبع البرمبة» أن سورية خاضت حرباً لا هوادة فيها ضد مثل هذه الجماعات وأن السوريين عانوا من إرهابها لسنوات طويلة قبل أن تتمكن الجهات المختصة من وضع حد لإرهابها وإجرامها. ‏

لكن سبع الحكومة اللبنانية كان عليه أن يؤدي دوره المرسوم، كي لا يُقال: إن الأشخاص أنفسهم المعروفين بمواقفهم مسبقة الصنع، وعدائهم لسورية وللمقاومة والعروبة وعشقهم غير المخفي لإسرائيل، هم الذين يتنطحون دائماً لتوجيه الاتهامات لسورية بلا أدلة ولا براهين ولا قرائن. ‏

اليوم دخل سبعهم بلا مخالب إلى معركتهم الخاسرة ليكشف «الحئيئة» وهي أن من نفذ عملية «عين علق» إرهابيون، منهم أربعة سوريين.لكن المسكين لا يعرف ـ أو أنه يعرف ولا يعترف ـ أن بعضاً من الذين ذكرهم ملاحقون في سورية ومنهم من سجن فيها. ‏

وربما السيد سبع لم يقرأ ما كتبه الصحفي الأميركي سيمور هيرتش في صحيفته «نيويوركر» مؤخراً، عن معلومات تؤكد أن حكومة السيد السنيورة التي يعتبر السبع أحد أفرادها، فتحت قنوات مع جماعة «فتح الإسلام» وأمدتها بالمال والسلاح، على أمل أن تكون الأداة التي تواجه حزب الله دون الحاجة إلى تكليف الجيش اللبناني الوطني بهذه المهمة، لأن الفريق المتسلط على السلطة يدرك أن الجيش لن يرتكب هذه الجريمة ولن يكون أداة بأيدي أي فريق ضد فريق آخر، لأنه جيش وطني لكل لبنان. ‏

نسي سبعهم ذلك، أو أنهم طلبوا أن ينسى الحقائق، ويتجاهل مقالة الصحفي الأميركي هيرتش، وأن ينسج رواية بوليسية مثيرة وشائقة تحكي قصة القبض على عصابة ارتكبت عملية «عين علق» أو تتهم بهذه الجريمة، ومن ثم لم ينس السبع ومعلموه أن يجدوا الخيوط التي تربط الإرهابيين بسورية. ‏

وعلى الطريقة الفرنسية نقول لهم: برافو. ‏ برافو لهذه الهمة العالية وتلك السرعة الضوئية في كشف الجريمة قياساً إلى التقصير الهائل والتام إزاء بقية الجرائم الأخرى. ‏

برافو على الأدلة الواهية التي قدموها هذه المرة، على الأقل أنهم قدموا دليلاً حسياً ولو وفق لعبة مفضوحة على عكس السابق عندما كانوا يوجهون الاتهامات لسورية بعد سبع ثوان من وقوع أي جريمة! ‏

وبرافو على التوقيت المتقن الذي جاء عشية تقديم المحقق الدولي براميرتز تقريره الجديد لمجلس الأمن الدولي حول ما وصلت إليه التحقيقات في جريمة اغتيال الحريري الذي يشير فيه مجدداً إلى تعاون سورية. ‏

وبرافو أيضاً على أن فريق السلطة يقرأ المشهد السياسي في المنطقة جيداً هذه المرة ويلحظ أن هناك انفتاحاً أوروبياً على سورية، وكوة حوار صغيرة فتحتها إدارة بوش مع دمشق، فظنّ هذا الفريق أن تلفيقاته الجديدة قد تغلق الباب الأوروبي والكوة الأميركية وتعيد سورية إلى دائرة العزلة السياسية الأميركية ـ الأوروبية. ‏

وبرافو أخيراً لهذا الفريق «الشاطر» الذي وجد لنفسه مخرجاً من الورطة التي وضعته فيها تصريحات إيهود أولمرت حول توقيت العدوان على لبنان الذي اتُخذ قبل أشهر من أسر الجنديين الإسرائيليين. ‏

برافو على كل شيء.. لكننا نعتقد أن قلع «عين إبليس» بالإعلان عن منفذين مفترضين لجريمة «عين علق» لم يحصل والذي حصل أنهم ورطوا أنفسهم أكثر في مستنقع الأكاذيب المفضوحة التي لم تعد تنطلي حتى على مناصريهم ومحازبيهم وميليشياتهم، فلتبحثوا منذ الآن عن وسائل أكثر إقناعاً مع إدراكنا أن الأكاذيب لا يمكن أن تقنع الناس لفترة طويلة وإن خدعت بعضهم لوقت قصير. ‏