قيمة الإنسان الفلسطيني في نظر قوات الاحتلال لا تساوي شيئاً البتة، ويتساوى في ذلك الشيخ والطفل والمرأة والشاب والمدني وغير المدني، ويتجلى الاستخفاف الإسرائيلي بالدم الفلسطيني في قضية قتل الأسرى المصريين، فعندما ضيقت مصر الخناق على إسرائيل نفت إسرائيل قتلها لهم وقالت إنهم ليسوا مصريين بل فلسطينيون.

ومن منطلق تلك النظرة، فإننا لا نعول كثيرا على إعلان الجيش الإسرائيلي عزمه على فتح تحقيق بشأن استخدام جنوده لمدنيين فلسطينيين كدروع بشرية أثناء عملياتهم العسكرية في نابلس قبل أسبوعين. لم يتطوع الجيش الإسرائيلي بذلك التحقيق فهو يعلم تماماً أن أجندة الاحتلال لا تمانع من إهدار الدم الفلسطيني وسفكه بسبب أو بدون سبب.

لكن الذي أجبرها على إعلان إجراء التحقيق هو إعلان مجموعة حقوق الإنسان الإسرائيلية لتلك التجاوزات. والجيش الإسرائيلي ومن قبله الحكومة الإسرائيلية نفسها يعلمان أن أسلوب التحقيق هو من أنجع الأساليب لامتصاص ردود الفعل المحلية والدولية.

ويعلمان أيضاً أن الذاكرة العربية والدولية سريعتا النسيان، فمجازر الجيش الإسرائيلي في الأراضي المحتلة بحق المدنيين العزل وثقتها وسائل الإعلام العالمي بكل تفاصيلها في أكثر من مناسبة، واستطاعت إسرائيل في كل مرة تفادي إصدار أي قرار دولي يشجب تلك الممارسات الوحشية ناهيك عن تطبيق عقوبات حقيقية ضدها.

ولعل الذاكرة العربية والدولية تسترجعان ما حدث في صبرا وشاتيلا وما حدث في اعتداءات عناقيد الغضب وأمطار الصيف، بل وما حدث للشهيد الطفل محمد الدرة وهو يحتمي بوالده من وابل الرصاص الإسرائيلي ليموت أمام أنظار العالم كله، فما الذي أفضت إليه التحقيقات الإسرائيلية حينها؟، لا شيء.

قائمة الانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الشعب الفلسطيني واستهتارها بدمائه طويلة وتعود تفاصيلها لأكثر من خمسين عاماً، وهي بالطبع لن تنتهي بجريمة استخدام المدنيين الفلسطينيين كدروع بشرية.

لكن ماذا لو حدث العكس واستخدم الفلسطينيون مدنيين إسرائيليين كدروع بشرية، كما فعل الجنود الإسرائيليون؟ ستكون ردة الفعل العالمية والأمريكية بالتأكيد مختلفة لأن الدم الإسرائيلي دم مقدس.. أما الدم الفلسطيني فلا مشكلة.