يتحدث الكثيرون اليوم عن عودة الواقعية والدبلوماسية بشكل ملموس إلى السياسة الأميركية بعد انقطاع، وبعد أن سيطرت عليها عنجهية القوة التي حذّر منها العديد من السياسيين الأميركيين منذ زمن بعيد.
فبعد تقرير بيكر- هاملتون الشهير وما تضمنه من تغيير في السياسة الخارجية باتجاه فتح حوار مع إيران وسوريا، أطلق المؤتمر الدولي حول العراق الذي عقد مؤخرا في بغداد الحوار الأميركي السوري بالتزامن مع زيارة مساعدة وزيرة الخارجية الأميركية لدمشق، بعد سياسة عزل مارستها الولايات المتحدة ضد الأخيرة دامت أكثر من سنتين كان مسببها بشكل رئيسي معارضة سوريا للغزو الأميركي للعراق،
كما عاد الأوروبيون إلى الحوار مع سوريا من الباب الواسع عبر زيارة خافيير سولانا الممثل الأعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي.
عاد الحوار بعد الفشل الذي منيت به الولايات المتحدة في العراق وحالة الشعور بالعجز في ظل تنامي التيار المعادي للحرب داخل أميركا وفي العالم، وزيادة الضربات العسكرية التي يتعرض لها جنودها، وبدء خروج القوات البريطانية، والخوف من انتشار الفوضى والعنف في المنطقة وتهديد مصالحها النفطية، هذا الشعور بالعجز الذي تعاظم في ظل نكسات إقليمية في أفغانستان ولبنان وأميركا اللاتينية.
اليوم في الوقت الذي تزداد الأصوات داخل الكونغرس ضد قرار غزو العراق، يزداد مستوى العنف والدمار والتفتت الطائفي والمناطقي وتتناقص القدرة على إعادة بناء المجتمع والدولة، ويرتفع الثمن المطلوب لإبقاء مواقع الحماية الأميركية، وتتفاقم مشاعر الغضب وتزداد التيارات ذات التوجهات المتطرفة، في حين تبقى الحرب مفتوحة على المجهول ويمكن أن تتوسع وتمتد إلى دول مجاورة.
في ظل هذه الأجواء، تشعر الولايات المتحدة اليوم بوجوب الانكفاء بأقل الخسائر الممكنة وإعادة أجواء الاستقرار للمنطقة كضمانة لمصالحها الاستراتيجية. اليوم هناك مطالبة قوية بين الأوساط الأميركية للخروج من المستنقع العراقي، بعد أن تبينت ضآلة إمكانية النجاح ولا فاعلية وجود القوات الأميركية إلا في إطار جلب المزيد من الدمار والخراب، ويواكب هذه المطالبة وعي بأن إزالة الأخطاء تتطلب ثمنا بالمقابل.
يطرح اليوم على بساط البحث انسحاب القوات الأميركية من العراق بشكل واقعي أكثر من أي وقت مضى، لكن هذا الانسحاب بالنسبة للولايات المتحدة لا بد أن يجري بطريقة منظمة وبناء على اتفاق يجري التفاوض بشأنه ويعيد نوعا من الاستقرار للمنطقة كلها.
لذا سيعاد إطلاق موضوع التسوية الإسرائيلية العربية، وهذا ما يفسر الحركة الدؤوبة لإعادة التضامن العربي قبل مؤتمر القمة العربية أواخر الشهر الحالي، والتصريحات المتتالية من قبل المسؤولين الإسرائيليين حول التطبيع وحق العودة والمبادرة العربية، كذلك الحديث عن مفاوضات سرية حول الجولان. والسؤال المطروح اليوم هو: هل يمكن للشعب العربي النظر إلى أي مشروع سلام أميركي بعد ما حصل في فلسطين والعراق خلال السنوات الماضية إلا بشعور واضح بالريبة والاستياء؟
موضوع آخر لكنه مؤجل بالنسبة للولايات المتحدة وهو التعهد بانسحاب تدريجي من العراق والذي جرت المطالبة به في إطار المؤتمر الدولي حول العراق، لا سيما وان هناك مخاوف حقيقية من إقامة قواعد عسكرية
ويبدو أن أوساطا في واشنطن تعي حجم المخاطر المترتبة على بقاء قواتها في هذه البقعة من العالم، في ظل تزايد المشاعر الوطنية الدينية المتداخلة المعادية للسياسات الأميركية في المنطقة، وقد عبر عن ذلك أحد المسؤولين الأميركيين حين قال «إن هذه المنطقة شديدة الحساسية للتدخل الأجنبي»،
ومن المرجح انه يقصد بذلك تنامي المشاعر القادرة على التعبئة ضد الوجود الأجنبي في أي مكان، فكيف في الوطن العربي الذي يتأصل لديه شعور عدم الثقة في السياسة الأميركية في ظل التأييد الكامل للكيان الإسرائيلي، وفي العراق بالذات الذي يعاني الويلات التي سببتها له سياساتها الوحشية على مدى سنوات.
إن الانسحاب التدريجي للقوات الأميركية يبدو مرهونا حاليا بمدى النجاح في عودة التهدئة، والمساعدة التي يمكن أن تساهم بها دول الجوار في الحفاظ على العراق الذي مازال الرهان عليه موحدا قائما حتى الان . والواضح انه بالقدر الذي تحتاج فيه الولايات المتحدة إلى مساعدة في إعادة الأوضاع الطبيعية إلى دولة العراق، بقدر ما يشعر الذين تدعوهم لمساعدتها بالعجز عن القيام بذلك إذا لم يجر وضع جدول زمني لانسحاب القوات الأميركية.