في يونيو 1988، كنت في قاعة المركز الصحافي التابع للقمة العربية التي عقدت في الجزائر العاصمة أتابع وقائع وصول القادة العرب على شاشة التلفزة الجزائرية. أثناء مراسم استقبال احد الزعماء العرب وعزف السلام الوطني، وجدت نفسي مع بعض الزملاء من الصحافيين الفلسطينيين والأردنيين نردد وبشكل عفوي المقطع الأخير من النشيد الوطني الجزائري على وقع موسيقى الفرقة العسكرية «ها قد عقدنا العزم ان تحيا الجزائر.. فاشهدوا.. فاشهدوا».

كنا أشبه بتلاميذ مدرسة نردد أنشودة مدرسية، هل قلت أنشودة مدرسية؟ لقد تذكرنا سوية إننا حفظنا هذا النشيد في عامنا الأول في المدرسة. اكتشفنا لحظتها إننا حفظنا النشيد معا ونحن صغار، وعندما وصل الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، وقفنا أمام الشاشة لكي نردد النشيد الوطني السوري «حماة الديار عليكم سلام/ ابت ان تذل النفوس الكرام» في استعادة لما بقي في ذاكرتنا من طفولتنا المدرسية.

لقد حفظت هذه الأناشيد في عامي الأول بالمدرسة، كما حفظت بضعة أناشيد للثورة الفلسطينية «فدائي» وبالطبع النشيد الأشهر «بلادي بلادي لك حبي وفؤادي». ليست هذه لحظة نوستالجيا استعيد فيها طفولتي في المدرسة، ولا تمجيد الحقبة القومية، بل إن ما ذكرني بهذا هو ما نقله لي ابني قبل أيام عن احد المعلمين في المدرسة. لقد جاء الصغير يسألني عما اذا كان اللعب بألعاب الأطفال الرائجة الآن «بلاي ستيشن» و«جيم بوي» حراما؟

سألته: من قال لك هذا؟ رد ان مدرس التربية الدينية قال لهم ان اللعب بهذه الألعاب حرام. لن أجادل هنا ولن أخوض جدلا دينيا في الحلال والحرام فهذا الجدل أصبح الجملة الثالثة بين التحية والوداع في كل لقاء بين اثنين في أيامنا هذه. لن أخوض هذا الجدل لان السؤال دفعني إلى ما هو ابعد من هذا التبسيط الذي يصل إلى حد السذاجة، للمقارنة بين ما كنا نتعلمه على أيدي المدرسين قبل 40 عاما وما يتلقاه أبناؤنا الآن في المدارس.

لقد حفظت تلك الأناشيد طفلا صغيرا، وبعد أكثر من ثلاثين عاما اكتشفت ان تلك الأناشيد لم تفعل سوى ان تصبح رباطا عاطفيا صغيرا يجمعني بتلاميذ صغار آخرين في بلدان عربية أخرى حفظوا النشيد صغارا ورددوه معي كبارا. بإمكان موقف كهذا ان يعيد طرح عشرات الأسئلة حول التعليم والمدارس والدور الذي يمكن ان تلعبه في تكوين أجيال من التلاميذ والطلاب.

لقد لعب المعلمون العرب والمواطنون في أيامنا دورا كبيرا في فتح آفاقنا على ما هو ابعد من التعليم وإجادة التعليم. لقد كانت المناهج على أيامنا تفتقر لتنمية المهارات لأنها كانت تركز على الحفظ والذاكرة. لكن معلمينا كانوا يدفعون بنا نحو آفاق أوسع من هذا، والى ما وراء أسوار المدرسة نحو المكتبات والبحث مدفوعين برغبة في اكتشاف العالم خارج أسوار المدارس. لكن معلمي هذه الأيام على العكس من ذلك لا يفعلون سوى ان يقودوا الطلاب ويربوا فيهم نزعة لا ترى في العالم سوى حلال وحرام، معنا أو ضدنا، مؤمنون وكفرة.

ان في الأمر مفارقة. ففي الوقت الذي كانت فيه المناهج على أيامنا تفتقر لكل مهارات التعليم الحديثة الرائجة الآن وكان المعلمون اقل تأهيلا مما هم عليه الآن، كان هؤلاء ينمون في أنفسنا روح البحث والاكتشاف التي تفتقر إليها المناهج.

أما الآن فان المناهج التي تستند إلى فلسفة اكتساب المهارات وتوضع بإشراف خبراء تربويين مؤهلين على مستوى عال أكاديمياً، تبدو وكأنها بلا قيمة لان المعلمين الذين تناط بهم عملية التعليم يفتقدون لروح البحث والاكتشاف.

والسبب لا يكمن في نقص التأهيل الأكاديمي، فهم مؤهلون وجامعيون وحائزون على مؤهلات في التربية وعلم النفس، لكن الخلل يعود إلى المنطق الذي يتعاملون به مع عملهم بالدرجة الأولى، ذلك النوع من المنطق الذي يملك كل الأجوبة لا روح الاكتشاف. ان منطق الحلال والحرام بسيط للغاية، وتقديم الأجوبة الحصرية للطلاب ليس ابسط منه، لكنه يقتل روح البحث لدى الطالب.

ليست المدارس هي التي غرقت في جدل الحلال والحرام هذا، بل مجتمعات بأسرها، وهو جدل معيق للتقدم على أي مستوى إلى ابعد الحدود، لكن المدارس يمكن ان تقدم صورة شديدة الكثافة لمدى الأذية البالغة التي يمكن أن تلحق بمجتمعاتنا وهي توالي الغرق في جدل الحلال والحرام الذي وصل حدودا مبتذلة من التبسيط.

تتبين حدود الضرر في هذا المنطق لدى محاولة التيقن من أننا نقدم الجواب الأفضل أو رد الفعل الأمثل. المدرسون يقدمون الجواب الأفضل للتلاميذ لأي إشكالية أو معضلة أو تساؤل. وبمنطق الذكاء العملي، يمكننا ان نتساءل: أيهما أجدى، التعامل بمنطق الكتل الصماء أم محاولة الفهم والتحليل والتفكيك؟

ذلك الجواب الذي لا يرى في لعبة سوى كتلة من الشرور تستوجب تحريمها، لا يمكن ان يذهب في محاولته إلى حد تفكيك اللعبة ومحاولة فهمها. وفي رد فعل أكثر ايجابية إلى محاولة دفع الطلاب لتعلم تصميم الألعاب واكتساب هذه المهارة العلمية.

هل يبدو هذا الجواب مثاليا؟ سيدفعني من يقول «نعم» إلى الضحك لأنه يدل على الضحالة حقا عندما تطالعنا حقيقة أن معظم مصممي الألعاب الالكترونية في العالم شبان يافعون قضوا طفولتهم في التعامل مع الكمبيوتر واكتساب المهارات في برامج التصميم.

إنني أسوق هنا مثالا ربما يكون غارقا في التفاصيل، لكن أليست التفاصيل هي التي تتأسس عليها عملية التربية والتعليم؟ أليست التفاصيل هي التي نفتقدها بشدة في جدلنا هذا الذي نغرق فيه، لأنه أيضاً جدل مبنى على منطق الحلال والحرام والتعامل بمنطق الكتل الصماء؟

كاتب وصحافي بحريني