لو أن مبتغى الولايات المتحدة والقوى الغربية الأخرى هو حقاً تحقيق السلام الشامل في دارفور بأسرع ما يمكن، لكانت أولويتهم العليا هي توسيع نطاق اتفاق أبوجا. في العاصمة النيجيرية أبوجا جلس ممثلو الحكومة السودانية مع ممثلي منظمات التمرد الدارفورية، وجرت بينهما سلسلة من المفاوضات المطولة على مدى العديد من الأسابيع.

ورغم ما اعترض العملية التفاوضية من عراقيل وصعوبات كانت تنتقل بها أحياناً إلى حافة الفشل، إلا أنها انتهت أخيرا إلى بروتوكولات في مجالات الترتيبات العسكرية والأمنية، واقتسام السلطة واقتسام الثروة، مما أصبح معروفا باتفاقية أبوجا للسلام.

لكن بعد أن جرى إعداد البروتوكولات أثار قادة المنظمات مطالب جديدة مما كان يتطلب المزيد من التنازلات من جانب الحكومة. وتحت ضغط الوسطاء الأجانب قدمت الحكومة تنازلات. ومع ذلك لم يوقع على الاتفاق النهائي سوى فصيل واحد من المنظمات. هنا نتوقف لنتساءل: لماذا لا تمارس القوى الغربية والأمم المتحدة ضغوطاً على المنظمات الرافضة للتوقيع على الاتفاق؟

لو كانت العملية التفاوضية في أبوجا محصورة تماما في الإطار الثنائي بين الحكومة السودانية من ناحية وحركات التمرد المسلحة من ناحية أخرى دون تدخل خارجي، لجاز للقوى الغربية أن تمتنع عن ممارسة الضغط على قادة الحركات الرافضة بمبرر أنها ـ أي القوى الغربية ـ ليست طرفاً في العملية. لكنها لم تكن طرفاً فحسب، بل كانت عنصراً مشاركاً بصورة مباشرة.

كان الراعي الأعلى للعملية التفاوضية هو الاتحاد الافريقي، وإلى جانب الراعي الأعلى كان هناك وسطاء مشاركون هم على وجه التحديد ممثل للولايات المتحدة وممثل لبريطانيا وممثل للاتحاد الأوروبي بالإضافة إلى ممثل للأمين العام للأمم المتحدة. ومن المستحيل اتهام أي من هؤلاء الوسطاء بأنه متحيز للحكومة السودانية. على العكس تماماً فمن وراء حياد ظاهري كاذب كانوا ـ ولا يزالون ـ متحيزين لقيادات ومنظمات التمرد.

ما تبتغيه هذه القوى هو أن تتواصل الحرب في دارفور لكي يكون استمرار القتال مبرراً لتطبيق مشروع إرسال قوة عسكرية دولية بحجة السعي «لحفظ السلام» وما يترافق مع إرسال القوة الدولية من فرض منطقة «حظر جوي» على القوات الحكومية «لحماية المدنيين».

ونعلم ما حدث بعد «أبوجا»، فقد شكلت الحركات المسلحة الرافضة تنظيماً مظلياً باسم «جبهة الخلاص» لا هدف له سوى تسعير نار القتال. وهكذا فإن المعضلة الدارفورية تبدو في إجمالها غامضة في جانبها السياسي. هناك أجندة خفية للقوى الغربية، وهناك بالمثل أجندة لحركات التمرد. ليس بوسع قادتها الإفصاح عنها في سياق عملية تفاوضية.

لهذا يحرص الجانبان على عدم الخوض في الأهداف السياسية لكل منهما. فالقوى الغربية لا تستطيع ان تقول علنا إن هدفها من وراء إرسال قوة قتالية دولية هو كسر شوكة القبائل العربية في دارفور لصالح القبائل «الإفريقية» التي تنتمي إليها قيادات الحركات المتمردة.

وبالمثل لا يستطيع قادة التمرد أن يقولوا علنا إن هدفهم الأعلى هو إنشاء منطقة حكم ذاتي في إقليم دارفور يحتكرون السيطرة السلطوية فيها نيابة عن قبائلهم، بما يجعل أبناء القبائل العربية في الإقليم مواطنين من الدرجة الثانية.