لم يعد بوسع أحدٍ أن ينكر حقيقة أننا في اليمن نعيش واقعاً ديمقراطياً يقوم على التعددية السياسية والحزبية وحرية الرأي والتعبير والاحتكام لخيارات الشعب، وأننا أيضاً نسير قدماً في اتجاه تعزيز مسارات الإصلاحات وتوسيع نطاق المشاركة الشعبية في صنع القرار عبر قنوات السلطة المحلية والتشريعية، ونمارس الشفافية بمفهومها الجاد والواقعي، الذي تصبح فيه المعارضة رديفا للسلطة في تحمل المسئوليات الوطنية والاضطلاع بواجبات مهام البناء المستقبلي بآفاقها التي نتطلع إليها جميعاً.

وإذا ما سلّمنا بمثل هذه الدلالات والشواهد وأبعادها الوطنية، فإننا سنكتشف أن الدعوة إلى الحوار بين الأحزاب والتنظيمات السياسية من أجل التوافق على البرنامج المستقبلي دعوة تنبع من روح الامتثال لقيم الديمقراطية وقواعدها، وأن قيام مثل هذا الحوار لا يحتاج لمن يجتهد للبحث عن الأسباب التي استدعته باعتبار أن الحوار بين مكونات العملية السياسية والحزبية مسألة صحية وتدل على النضوج والحيوية واستشعار تلك الأطراف لدورها حيال ما يتصل بقضايا الوطن والمجتمع. وأن حديثها عن الإصلاحات ليس مجرد لعبة حزبية الهدف منها الفرقعة الإعلامية ومحاولة النيل من الطرف الآخر عن طريق الفبركات والنفخ في الهواء والتشكيك بمصداقيته خاصة وأن مثل هذه الوسائل لم تعد تنطلي على أحد.

وبصرف النظر كل ما قيل أو سيقال عن دعوة المؤتمر الشعبي الأحزاب والتنظيمات السياسية إلى الحوار فإننا نعتقد أن مثل هذه الدعوة تعد بادرة طبية وإيجابية وينبغي أن تقابل بتفاعل الجميع وحرصهم على نجاحها سيما وأن هذا المنطق يكرس المرجع الذي يستند إليه البنيان الديمقراطي ومكوناته المختلفة.

وباعتماد هذا المنطق فإن الجلوس على طاولة الحوار لا يحتاج إلى دليلٍ يتضمن القضايا والعناوين التي يتعين مناقشتها من قبل شركاء العملية السياسية والحزبية لأن أي حوارٍ لابد وأن تكون له أجندته وقد حملت دعوة المؤتمر الشعبي الخطوط العريضة لهذه الأجندة والتي يتصدرها البناء المستقبلي ومن ذلك توسيع قاعدة المشاركة في التشريع وإدخال المزيد من الإصلاحات على نظام السلطة المحلية إلى جانب النظر في التعديلات المطروحة على قانون الصحافة والمطبوعات وتطوير آليات العملية الديمقراطية وتجذير مبادئها في الوعي المجتمعي.

والتوافق على هذه الأهداف وغيرها سينعكس بفائدته ومصلحته وثماره على الوطن وأبنائه، بل وعلى مستقبل الحراك الديمقراطي وهي غايات لا يجوز بأي حالٍ من الأحوال مقابلتها بالتشكيك أو بالأحكام المسبقة والأطروحات غير الموضوعية، بل على العكس من ذلك فإن ما يحتاجه الوطن اليوم من كل أبنائه وفي مقدمتهم مصفوفة العمل السياسي والحزبي هو العمل على تمتين الجبهة الداخلية وتقوية تماسكها والإيثار من أجل خدمة هذا الوطن ورقيه وتقدمه والاحتشاد لتحصينه وتقوية منعته وقدرته على تجاوز كل التحديات العارضة أو المحتملة.

ولأننا أمام هذه المقاصد النبيلة نتساوى جميعاً ولا فرق بين من في السلطة أو في المعارضة أو في خارجهما فكلنا مطالبون بجدية الفعل، وجودة العمل، والإخلاص في النوايا، وأن يبتعد كل منا عن الانفعالات التي تدفع بالبعض إلى التصور خطأً بأن له الحق في تقييم ما يطرحه الآخر أو ادعاء صوابيته دون غيره. حيث وأن مثل هذه السلبية التي لم تتنبه لها بعض القيادات الحزبية في المعارضة لا شك وأنها قد أثرت على أداء أحزابهم وحضورها الجماهيري.

ومن الحكمة أن يسعى الجميع إلى إنجاح عملية الحوار بين الأحزاب والتنظيمات السياسية وجعل هذا الحوار حافزاً لمزيد من العطاء وتواصل مسيرة البناء والإصلاح والتقدم والمضي قدماً للنهوض باليمن الجديد وصياغة حاضره المشرق وضمان المستقبل الأفضل لأجياله القادمة.

ومن شروط هذا المسلك أن نجعل الحوار أساساً، والديمقراطية منهجاً، ومصلحة الوطن همنا الأول والأخير، لتسمو على المصالح الذاتية والحزبية وكل الاعتبارات الأنانية الضيقة.