أخيرا تم تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية بعد طول انتظار وترقب ، وفي أعقاب مرحلة من أخطر ما شهدته القضية الفلسطينية حين بلغت الخلافات بين حركتي فتح وحماس حد الإقتتال الداخلي ، ولذلك فإن تجسيد الوفاق الفلسطيني الذي تحقق إثر إتفاق مكة المكرمة على هذا النحو من المسؤولية والوعي يستحق الترحيب والتشجيع والدعم من الدول العربية أولا ومن المجتمع الدولي بغض النظر عن ردود الأفعال الأميركية والإسرائيلية المتوقعة سلفا .

لفهم الرفض الإسرائيلي الأمريكي لهذه الحكومة ينبغي ألا ننسى بأن إسرائيل تريد ثمنا مقابل إعترافها بالحكومة الفلسطينية الجديدة ، فهي تريد تلبية شروطها التي تبنتها اللجنة الرباعية أيضا وهي الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود ، ونبذ العنف ، والالتزام بالاتفاقات التي وقعتها منظمة التحرير الفلسطينية ، إضافة لتسليم الأسير الإسرائيلي ، ومع أن هذه المسائل قابلة للمعالجة عندما تتقدم عملية السلام ، وأن قضية الاسير يمكن تسويتها في نطاق عملية تبادل للأسرى ، فإن الاعتراف أو عدم الاعتراف من جانب إسرائيل بالحكومة الفلسطنية لا يقدم ولا يؤخر في هذه المرحلة .

إذا ما أعقب تشكيل الحكومة أداء وطني مدروس وفاعل فإن السلطة الوطنية ممثلة بالرئيس محمود عباس يمكن أن تتفاوض على أساس تبادلية الشروط ، أي أنه إذا كان على الحكومة الفلسطينية الاعتراف بإسرائيل فإن على إسرئيل الاعتراف بها ، كذلك فإن العنف يجب أن يتوقف من الطرفين كما أن الالتزام بالاتفاقيات مسؤولية ثنائية ، بمعنى آخر فإن الشروط الإسرائيلية يجب أن تلزمها بقدر ما تلزم الفلسطينيين ، وإلا كيف يمكن وقف العنف الفلسطيني مثلا من دون أن يتوقف العنف الإسرائيلي ؟

نحن لا نقلل من أهمية وجود موقف أميركي وإسرائيلي ايجابي تجاه الحكومة الفلسطينية خاصة من أجل رفع الحصار المالي عن الشعب الفلسطيني ، ولكن أهم ما يحققه الفلسطينيون لأنفسهم من خلال وحدتهم الوطنية هو الحفاظ على بيتهم الداخلي وتحصينه في وجه الاعتداءات والمؤامرات الإسرائيلية وتسيير شؤون الشعب الفلسطيني وحل مشاكله الاقتصادية والاجتماعية وبناء المؤسسات تمهيدا لقيام الدولة المستقلة .

تستطيع الحكومة الفلسطنية البدء بعملها بعد إتمام الخطوات المتعلقة بثقة المجلس التشريعي ، وتترك الأمر للرئيس محمود عباس الذي سيعمل حتما على التنسيق مع الأردن ومصر والسعودية بشكل خاص من أجل كسب تأييد المجتمع الدولي لصالح هذا الانجاز المهم ، وسيجد الفلسطينيون الكثير من الأصدقاء الذين سيقفون معهم كلما أظهروا جديتهم في مواجهة أعباء المرحلة المقبلة .

ما تحقق خلال الساعات الماضية هو في صالح السلطة الوطنية التي سيكون إختبارها الأول مع الشعب الفلسطيني نفسه ، ونجاحها في هذا الاختبار سينعكس عليها ايجابيا في علاقاتها العربية والدولية ، وهذا ما نأمل أن تجتهد فيه لتتقدم على الطريق نحو أهدافها المشروعة .