بعد مخاض طويل، وعواصف حادة كادت أن تقصم ظهر كل فلسطيني، جاء الاتفاق على حكومة وفاق وطني، خطوة تغلَّب فيها العقل على فوضى الخلافات، ولو جاز لنا القول، فإنه من غير المنطقي أن يحتكر أي فصيل أو جبهة موضوع سلطة لا يتفق عليها كل الفلسطينيين، بتنوعاتهم الحزبية، وآرائهم التي من الضروري أن لا تتطابق، شأن أي مجتمع يبقى فيه تنوع الآراء إثراءً فكرياً وثقافياً، والشعب الفلسطيني، قياساً للتحديات التي رافقت مسيرته منذ الاستيطان الأول لإسرائيل، اكتسب بناء على نضاله، تجربة واسعة يصبح الشذوذ فيها أن ينقسم الشارع، أو يتشرذم المواطن بين تيارات يدَّعي كل منها الحق وغيره باطل.

فالخلافات التي لم تكن واقعية، ذهبت بالمواطن الفلسطيني إلى حصار جغرافي، واقتصادي حتى أن تجميد أموال الفلسطينيين، والمعونات التي تصل من أجل الغذاء، والدواء، والتعليم، فرضت إيقاعاً حاداً كادت أن تجعل المشكلة مضاعفة، أي أن ضغط الخارج فجر الداخل، وقد يكون هذا أحد أهداف إسرائيل مع حلفائها، وحتى محاولات كسر الحصار، لم تعط إيجابياتها، وبالتالي كان لا بد من حل ينبع من الداخل،.

ومع ما حدث من تأخير، فإن إيجابيات الوفاق، أنه سينقل المعركة إلى الأفق الأهم أي بناء السلام على قاعدة مختلفة عن المزايدات، خاصة وأن الأجواء العالمية، سواء من حماس أوروبي لإنهاء أخطر أزمة في المنطقة، أو أمريكا التي أدركت أن كل الحروب والتصنيفات والخرائط التي اضطرت لطيها حين حاولت تقسيم كل بلد عربي، رأت أن مخاطر هذه السياسة أبعد من استراتيجياتها الطويلة والقصيرة، وحتى إسرائيل التي طالما اعتقدت أن قوتها تكمن بتحويل مواردها وقواها إلى العقيدة العسكرية التي تعادل بها كل الجيوش العربية، صارت أكثر موضوعية، بأن احتمالات الأضرار التي تنشأ من أي حروب مكلفة لها مثلما هي موجعة لأعدائها..

لا نريد من الحكومة الفلسطينية القادمة أن تكون توليفة، أو هدنة متوسطة كنوع من تخطي بعض العقبات، وعند الدخول بأي اختبار حقيقي تنهار الحوائط على بعضها، لأن ذلك يعد خسارة، ليس فقط لتاريخ فلسطين، وإنما لمصداقية دولة عجزت، وهي الأكثر تأهيلاً، ووعياً، أن تتغلب على نوازعها الحزبية، وبالتالي إذا كان اتفاق مكة المكرمة، جاء كميثاق شرف يربط الجميع بتعهداتهم وتمثيلهم لواجباتهم، فإن ما بعد تشكيل الحكومة هي المراحل الأصعب، لأن المجابهة ستنتقل من الداخل الفلسطيني إلى الفضاء الدولي الذي يحتاج إلى خطى دقيقة ومتوازنة..