كان اجتماع القمة المقرر ليوم الجمعة الماضي بين الرئيس الفرنسي جاك شيراك والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل مخصصا للخروج من مأزق طائرة ايرباص والذي تحول اليوم الى أزمة سياسية ودبلوماسية بين البلدين الأقوى في الاتحاد الأوروبي: فرنسا وألمانيا بعدما كانت الشراكة بينهما في انشاء شركة ايرباص وتصنيعها وترويجها تعتبر مثلا يحتذى من التعاون الأوروبي ونموذجا موفقا من اكتساح سوق الطيران المدني على الصعيد العالمي. فما الذي جرى حتى يصل البلدان الى درجة سوء التفاهم العميق والاختلاف حول علاج أزمة ايرباص؟

بدأ الشقاق يدب منذ فشلت الشركة في الوفاء بوعودها فيما يتعلق بتسليم طائرة ايرباص العملاقة (أي 350) الى الشركات التي وقعت عقود شرائها، وهذه الطائرة صممت وصنعت لتنافس نظيرتها الأميركية بوينج (بي 787) أي القدرة على الطيران بدون توقف للتزود على مدى عشرة آلاف كلم ونقل حوالي 500 راكب والتقليص من استهلاك الوقود بسبب المواد الخفيفة التي اختيرت لتصنيع الطائرة.

وبالفعل تم انجاز الطائرة بهذه المواصفات واعترفت الخصمة بوينج بالتفوق الأوروبي وخشيت من إفلات الصفقات الكبيرة منها، لكن شركة (ايادس) التي تعتبر ايرباص فرعا منها بدأت تعاني من مشكلات هيكلية وتكنولوجية واجتماعية عطلت تلك الانطلاقة،

بالإضافة الى تورط نائب الرئيس وهو الفرنسي جون لويس جير جوران في قضية ما يسمى في باريس بفضيحة (كليرستريم) على اسم المصرف اللكسمبوري الذي تم تزوير قائمات ماسكي الحسابات البنكية السرية فيه من أجل توريط شخصيات سياسية ورجال أعمال في جريمة وهمية، وهي مسك حسابات وتقاضي عمولات في الخارج، وأبرز الشخصيات التي تعرضت للتدليس والزج باسمها في هذه القائمات هو المرشح اليميني لرئاسة الجمهورية الفرنسية ووزير الداخلية ورئيس الحزب الحاكم نيكولا ساركوزي.

ولم يخف الألمان استياءهم المتصاعد من الأزمات الداخلية الفرنسية التي تلحق بهم الأذى، وهذا الأذى أولا اجتماعي سيتجسد بتسريح عشرة آلاف عامل ومهندس ألماني يعملون اليوم في مختلف المصانع الألمانية التي تشترك في تصنيع الايرباص، ثم الأذى الاقتصادي المتمثل في تعويض خسائر الشركة من الخزينة العامة الألمانية، ثم الأذى السياسي الناتج عن تحمل حكومة برلين أخطاء المقاربة الفرنسية.

وقالت المستشارة ميركل لنظيرها الرئيس الفرنسي يوم الجمعة الماضي بأن الخلاف بين الحكومتين يتلخص في أن باريس تعالج القضية بالأدوات السياسية بينما تثق برلين في رجال الصناعة والمخططين الاستراتيجيين والمهندسين الأوروبيين ليجدوا هم حلولاً لمشاكل ايرباص.

ورغم أن باريس عزلت المسؤولين السابقين عن الشركة وعينت بالتشاور مع الألمان السيد لويس غالوا على رأسها فان الهوة لا تزال تتسع بين المقاربتين الألمانية والفرنسية بشأن العلاج المستديم للأزمة، وهو ما يدل على أكثر من اختلاف في رؤية الملف ويتعداه الى طبيعة تعامل الشعبين بعقليتين متناقضتين مع شؤون التعاون بينهما واحتلال الاتحاد الأوروبي لمنزلة عالية في الاقتصاد العالمي والتفوق التكنولوجي الدولي.

ونتبين في هذا التناقض في كون باريس تكتفي باعادة هيكلة الشركة في حين تنادي برلين بثورة صناعية وتجارية حقيقية عميقة في مجال تصنيع ايرباص. وفي هذه المرحلة المتميزة بالمطبات الأوروبية يعيد الأميركيون حساباتهم لاغتنام الأزمة الأوروبية وشرعوا في تنفيذ استراتيجية جديدة تماما بجعل شركة بوينج تكتفي بإدارة مصانع صغيرة وموزعة على التراب الأميركي ولدى شركائها وتوجه عنايتها للترويج، حتى تستعيد سالف نجاحاتها وتعود لمكانتها العالمية الأولى في سوق الطيران المدني، بعد أن هددتها ايرباص بقوة منذ بداية الألفية واختطفت منها العقود وعوضتها في الصفقات الكبرى.

ان ما وقع بين الشريكين الألماني والفرنسي يدعو الاتحاد الأوروبي الى المزيد من التواضع أمام الخصم الأميركي الشرس، بعد أن تبين بأن للكفاءة التكنولوجية الأوروبية حدودا لا تتجاوزها، فقد تعطل تسليم الطائرة العملاقة أي 350 بسبب خلل في تجهيز الطائرة بالأسلاك الكهربائية التي تعتبر بمثابة الجهاز العصبي للطائرة.

وهناك معطى آخر لا بد من الإشارة إليه وهو أن سياسة فرنسا رهينة الانتخابات الرئاسية القادمة ليومي 21 أبريل و6 مايو، وبرلين تدرك بأن كل اتفاق بين الحكومة الألمانية الحالية والمستمرة الى أربعة أعوام قادمة والحكومة الفرنسية المنتهية صلاحيتها بعد ثمانية أسابيع لن يكون اتفاقا طويل الأمد، بل ان من صالح المستشارة أن تحل الاشكال مع خليفة الرئيس شيراك مهما يكن هذا الخليفة، أهو وزير الداخلية ساركوزي أو المرشحة الاشتراكية سيجولان روايال أو رجل ثالث يحدث المفاجأة ربما اسمه فرنسوا بايرو زعيم حزب الوسط!

alqadidi@hotmail.com