حصلت في الأسبوع الماضي في باريس حادثة لم ينتبه إليها الكثيرون على الرغم من أنها كانت مفعمة بالمعاني والدلالات. وكان يمكن أن تكبر وتنفجر لولا أنها طوقت في آخر لحظة على ما يبدو. ما هي هذه الحادثة؟ في برنامج إذاعي مهم اتهم ريمون بار رئيس وزراء فرنسا السابق في عهد جيسكار ديستان اللوبي اليهودي بأنه قادر على تدبير مؤامرات دنيئة وغير لائقة للإيقاع بالناس.

وقال بان هذا اللوبي حاقد عليه منذ عام1980عندما حصلت عملية شارع كوبرنيك الإرهابية في باريس ضد كنيس يهودي ولكنها أخطأته وأدت إلى مقتل ثلاثة أشخاص كانوا يعبرون الشارع بالصدفة. وبما أن بار كان آنذاك رئيسا لوزراء فرنسا فقد أطلق تصريحاً مطولاً جاء فيه: لقد حاول الإرهابيون ضرب اليهود المذنبين في نظرهم داخل الكنيس ولكن قنبلتهم أخطأت طريقها وأصابت فرنسيين بريئين مارين في الشارع.

هذه العبارة الأخيرة التي تتحدث عن الفرنسيين البريئين وتميزهم عن اليهود أقامت الدنيا وأقعدتها. وهاجت الصحافة الفرنسية عندئذ على بار واتهمته بمعاداة السامية. ثم ظلت تلاحقه على هذه القصة طيلة ربع قرن حتى انفجر مؤخرا واتهم اللوبي اليهودي المرتبط باليسار بأنه سبب كل هذه الملاحقات الدنيئة.

وقال لهم إنه قال في نفس التصريح بان الطائفة اليهودية هي جزء لا يتجزأ من الأمة الفرنسية. فلماذا يمرون على ذلك مرور الكرام ولا يركزون الأعلى العبارة الأولى؟ لماذا يلاحقونه باستمرار على هفوة صغيرة وردت في تصريح عفوي وغير مقصود؟ ثم لماذا ينتزعون هذه العبارة من سياقها؟ وهكذا انفجر الرجل بعد ان كظم غيظه طيلة ثلاثين سنة تقريبا..وعندئذ ردوا عليه الصاع صاعين وهددوه بجره إلى المحكمة لان القانون الفرنسي يعتبر معاداة السامية جنحة يعاقب عليها من يرتكبها. وكذلك الأمر فيما يخص نكران حصول المحرقة اليهودية.

لقد فوجئت بمدى جرأة بار على تحدي اللوبي اليهودي وقلت بيني وبين نفسي: لقد وقع الرجل في الفخ.فهل سيتجرأ على مواجهة اللوبي حتى النهاية أم انه سيتراجع في آخر لحظة تحت وطأة الحملة الإعلامية الكاسحة التي ستنصب عليه لا محالة؟ وقد ابتدأت الحملة بالفعل فورا دون إبطاء. وشارك فيها كلود لانزمان مخرج فيلم المحرقة الشهير بالإضافة إلى الفيلسوف برنار هنري ليفي وآخرين عديدين. وقلت بيني وبين نفسي : لقد وقعت الواقعة.

فمن سيتراجع أولا؟ من سينهزم ومن سينتصر؟ وانتظرت مدة يومين بفارغ الصبر لكي أرى نتيجة هذه المواجهة المفاجئة وغير المتوقعة على الإطلاق في هذه الظروف. وكانت المحصلة أن تراجع الرجل من خلال تصريح مكتوب أرسله إلى وكالة الصحافة الفرنسية ثم اختفى عن الأنظار تماما رافضا الرد على أسئلة الصحفيين أيا تكن..فإذا كان ريمون بار المعروف باعتداده الشديد بنفسه وقوة شخصيته قد تراجع فما بالك بالآخرين؟

ذكرتني هذه الحادثة بحادثة أخرى لا تقل أهمية ودلالة. وقد رواها الكاتب الشهير جان دورميسون في كتاب بعنوان: تقرير جبرائيل. وملخصها هو التالي: في عام 1995 وقبل أن يغادر قصر الاليزيه نهائيا دعاه فرانسوا ميتران إلى تناول الفطور معه لآخر مرة قبيل ساعات قليلة من انتهاء ولايته وبداية ولاية شيراك.

وقد استغرب دورميسون هذه الدعوة . فهو ليس يساريا ولا مقربا من ميتران على عكس مثقفين آخرين عديدين. فلماذا اختاره اذن من بينهم جميعا لكي يحظى بهذا الشرف الرفيع؟ لا ريب في أن ميتران مولع بالأدب الفرنسي مثل دورميسون ذي الحديث الممتع الذي لا يمل. ولكن يبدو أن هذا ليس هو السبب الأساسي لاختياره .

ولم ينكشف له السبب إلا أثناء المحادثة. فعندما سأله الكاتب عن قصة علاقته بحكومة فيشي وصداقته الحميمة مع شخص مشهور بالعمالة للألمان يدعى بوسكيه ثبته ميتران في النظرة وقال له: ينبغي أن ترى هنا التأثير الجبار والشرير للوبي اليهودي في فرنسا. وصعق دورميسون عندما سمع هذا الكلام وران بعده صمت ثقيل بين الرجلين. ثم يردف الكاتب الفرنسي قائلا: سارعت إلى تسجيل كلام الرئيس حرفيا بعد عودتي إلى البيت لكيلا أنسى منه أي شيء بمرور الزمن.

فإذا كان ميتران المشهور بصداقته لإسرائيل ودعمها أكثر من أي رئيس فرنسي آخر يقول هذا الكلام فما بالك بالآخرين ؟ ينبغي العلم بان بار دافع ايضا عن موريس بابون المتهم هو الآخر بالعمالة للألمان أثناء الحرب العالمية الثانية، وكذلك دافع عن برينو غولنيش الرجل الثاني في الجبهة القومية والذي أدانته المحكمة قبل فترة بتهمة نكران المحرقة اليهودية..

ومؤخرا سمعت بان اللوبي اليهودي ناقم أيضا على ميشيل روكار رئيس الوزراء الاشتراكي السابق والمحسوب عموما على أصدقاء إسرائيل الكبار. فما الذي جرى يا ترى؟ يبدو انه هاجم السياسة الإسرائيلية والأميركية في المنطقة وكذلك عربدة القوة لقادة تل أبيب في مقابلة أدلى بها لإحدى الصحف العربية أثناء زيارته للقاهرة قبل بضعة ايام.

وعلى الرغم من انه شدد كبقية زعماء الغرب على ضرورة احترام وجود إسرائيل وحقها في العيش بأمان الا ان ذلك لم يشفع له لدى قادة اللوبي اليهودي الفرنسي الذي تطأطأ له الرؤوس كبيرها والصغير. ولا نعرف فيما اذا كانوا سيتهمونه بمعاداة السامية بعد عودته إلى باريس ام لا..فهل سيتوب توبة نصوحا كما فعل بار؟ لا اعتقد. لان بار تحداهم أكثر عندما تحدث ليس فقط عن اللوبي اليهودي وإنما أيضا عن العصابة التي ترعب فرنسا.

أما شيراك فليست له أي مشكلة مع اليهود لسبب بسيط: هو انه كان الرئيس الفرنسي الوحيد الذي اعترف بمسؤولية الأمة الفرنسية وليس فقط حكومة فيشي العميلة للالمان عما حصل لليهود من تهجير إلى معسكرات الموت ابان الحرب العالمية الثانية. كل رؤساء فرنسا المتعاقبين رفضوا ذلك على طول الخط من الجنرال ديغول إلى جورج بومبيدو إلى جيسكار ديستان إلى فرانسوا ميتران.

كلهم قالوا بان المسؤول عن هذه العملية الاجرامية ليس الأمة الفرنسية ولا الشعب الفرنسي ككل وإنما حكومة فيشي العميلة فقط. وهي حكومة خرجت على المبادئ الحضارية والانسانية للجمهورية الفرنسية. وحده شيراك فاجأ الجميع وخرج على الخط وأعطى لليهود ما كانوا يطالبون به منذ سنوات طويلة دون ان يستطيعوا الحصول عليه. وكل ذلك بسبب انتهازيته ورغبته في الوصول إلى السلطة العليا باي شكل كان. وبالتالي فالشخص الذي يتجرأ على تحدي اللوبي اليهودي في فرنسا حتى النهاية لم تلده أمه بعد!.

والسؤال المطروح الآن هو التالي: إلى متى سيظل سيف ديموقليس المتمثل بتهمة معاداة السامية مسلطا على رؤوس الجميع في فرنسا وخارجها؟ والى متى سيظل يستخدم لكسر رأس اكبر شخصية فرنسية تسول لها نفسها ان تتمرد ولو لمدة أسبوع فقط على هذا الإرهاب الفكري الذي لم يشهد له التاريخ مثيلا من قبل؟ ليفهم كلامي جيدا هنا: اني أدين وبشكل قاطع ما فعلته النازية المجرمة بالشعب اليهودي أثناء الحرب العالمية الثانية.

ولكني استهجن الاستخدام الانتهازي المتواصل لهذه المحرقة من قبل سيرج كلارسفيلد وغلاة الصهاينة الباريسيين من اجل اخماد صوت أي شخص يتجرأ على انتقاد السياسة الاجرامية لدولة الاحتلال الإسرائيلي ضد شعب فلسطين المغلوب على أمره وكذلك ضد شعب لبنان الذي دمروا بنيته التحتية الصيف الماضي.

ثم أضيف بان هؤلاء الناس الذين حرقوا البشر والحجر في فلسطين ولبنان لا يحق لهم ان يعطوا دروسا في الاخلاق لاحد وبخاصة لريمون بار او لميشيل روكار اللذين هما من أفضل ما انجبته الطبقة السياسية الفرنسية يمينا ويسارا. بل ووصلت ملاحقاتهم حتى إلى شخصيات يهودية محترمة كالفيلسوف ادغار موران الذي كانت جريمته هو انه نبههم إلى خطورة تأييدهم الأعمى للسياسة القمعية الإسرائيلية ضد شعب مغزو في عقر داره ومحاصر.

وأخيراً قبل ان اختتم هذه المقالة سوف اروي الحكاية الشخصية التالية: كنت سائرا في احد شوارع باريس ليلا وفجأة يخرج في وجهي من احد المقاهي شخص هائج سكران وهو يشتم ويهدد لا على التعيين ثم صرخ قائلا: نحن الفرنسيين راكبون عليكم انتم العرب ولكن اليهود راكبون علينا..تحاشيته وأسرعت الخطى حتى وصلت إلى مترو ساحة الباستيل وغطست فيه وانا اردد بيني وبين نفسي: خذ الحكمة ولو من أفواه المجانين. ولا زائد لمستزيد.

كاتب سوري

باريس