أفادت دراسة صدرت عن المعهد الدولي لسلامة الإعلام بلندن أن ألف صحافي وعامل في مجال الصحافة قتلوا في العشر سنوات الماضية، أي بمعدل صحافيين كل أسبوع. والأخطر من هذا أن سنة 2005 لوحدها شهدت مقتل 147 صحافيا، أما بالنسبة لسنة 2006 فالعدد وصل 176 مع أن الإحصاء لم يكتمل بعد.
هذه الأرقام مخيفة وخطيرة في نفس الوقت حيث أنها تخص مهنة تقدم الحقائق والأخبار والمعلومات وما يحدث في العالم إلى الجمهور. وعندما نتكلم عن إغتيال 1000 صحافي خلال عشر سنوات هذا يعني إغتيال الحقيقة واغتيال الحق وتشجيع التضليل والتعتيم والتشويه. اشتهرت دول تعيش ظروفا غير طبيعية وغير عادية سواء تتعلق بالإرهاب أو بالمافيا والعصابات التي تتاجر بالمخدرات وتقوم بتبييض الأموال...الخ، بخطورة ممارسة مهنة الصحافة فيها كالعراق، وروسيا وكولومبيا والفلبين والهند والجزائر والجمهوريات اليوغوسلافية السابقة والمكسيك وباكستان والبرازيل.
السؤال الأول الذي يطرح نفسه هنا هو لماذا إغتيال الصحافيين وتصفيتهم والتخلص منهم؟ ما هو الهدف أو الأهداف؟ هل أن إصرارهم على كشف الحقيقة وإخبار الرأي العام وتزويده بالمعلومات يهدد مصالح جهات معينة؟ هل التحقيقات والتغطيات الصحافية التي يقدمها الصحافيون للمجتمع الحقيقة وتكشف الجهات المتورطة في الجرائم وتهريب الأموال وتبييضها...الخ؟
هل الرأي الأخر يزعج المستبدين والسلطويين والدكتاتوريين الذين يريدون الانفراد بوجهات نظرهم وأطروحاتهم حتى وإن كانت خاطئة. أما السؤال الثاني فيتعلق بالجهات التي من المفروض أن توفر الأمن وتحمي الصحافيين من المافيا ومن المجرمين ومن الجهات التي تحارب الحقيقة والشفافية والصراحة، والتي تفضل العمل في الظلام وفي التشويه والتعتيم والترهيب والتخويف. أين هو المجتمع المدني والجمعيات بمختلف أنواعها للدفاع عن الحقيقة وعن شهداء الحقيقة؟
إن إغتيال الصحافي هو إغتيال للمجتمع ككل وهو إغتيال لمؤسسة استراتيجية في المجتمع تشكل الوعي والرأي العام وتصنع الوعي الجماعي، مؤسسة تعتبر الحجر الأساس ومنبر حرية الفكر والرأي والديمقراطية. الصحافي في المجتمع هو رافد الحرية والديمقراطية وهو ممثل المحرومين والفئات العريضة بل وكل فئات وشرائح المجتمع.
الصحافي هو المؤرخ اليومي للأمة وهو الراصد لنموها وتطورها وكذلك تخلفها وتراجعها ومشكلاتها. الصحافي هو الذي يرصد التجاوزات ويراقب السلطات ويكشف عن الأخطاء والمتطفلين والمجرمين وهؤلاء الذين يتلاعبون بأموال الشعب ويتاجرون بالقيم والثوابت وبمصير الأمة. فإذا كان الإغتيال ينفذ والتصفية الجسدية تتم والمجتمع يتفرج فهذا يعني أن الأمة وصلت إلى درجة عالية من الخطورة، حيث أن إسكات الحق وفرض الباطل أصبحا عملا منهجيا ومنظما.
وهذا يعني نشر ثقافة الخوف والرعب وثقافة الرقابة الذاتية التي قد ينتهجها الصحافي الذي لا يريد أن يغامر بحياته والذي يفضل السكوت والتركيز على القشور والقضايا الروتينية التي لا تقدم ولا تؤخر في شيء. وهنا نلاحظ انتشار ثقافة النفاق وثقافة «كل شيء بخير» وثقافة الإبتعاد عن الأمور الجادة التي بإمكانها تغيير الواقع والمساهمة في صناعة التاريخ وليس الاطلاع على التاريخ بسلبية وخمول وركوض.
التصفية الجسدية للصحافيين صارت خطيرة، وخاصة إذا علمنا أن ثلثي الضحايا قُتلوا في زمن السلم وليس في الحروب، يعني أن هناك جهات فاعلة في المجتمع تسكت الصحافي بالقتل وهذا أمر خطير بالنسبة للسلطة وتحد كبير لها. ومن جهة أخرى نلاحظ المساس باحدى ركائز الديمقراطية في المجتمع وهذا يعني التعدي على أصوات الحق وكل من يعارض أو يعترض سبيل الإنتهازيين والمجرمين والذين يعيشون عالة على المجتمع.
والأمر الخطير في هذه الإشكالية هو تورط بعض الجهات الرسمية أحيانا في التصفية الجسدية للصحافيين الذين يصرون على كشف المستور وتقديم الحقائق للرأي العام وهم بذلك يحرجون جهات معينة في السلطة ويكشفون أمورها للرأي العام. فالصحافي يكون ضحية السلطة وأحيانا أخرى يكون ضحية المافيا والمجرمين وجهات معينة في المجتمع تقوم بأعمال وتصرفات خارجة عن القانون والأخلاق والآداب العامة.
و حتى الدول التي تدعي الديمقراطية في هذه الأيام تقوم بممارسات منافية لحرية الصحافة ولأخلاقيات ممارستها ولتوفير الأمن والضمانات للصحافي. فبعد أحداث 11 سبتمبر 2001 تراجعت حرية الصحافة بشكل خطير في العالم وخاصة في الولايات المتحدة الأميركية التي اخترقت الكثير من المبادئ التي كانت تؤمن بها في هذا المجال.
وباسم الحرب على الإرهاب شنّت أميركا حربا عشواء على كل ما هو عربي وإسلامي بحق وغير حق وضربت عرض الحائط الحريات الفردية وحرية التعبير والرأي والفكر داخل أميركا نفسها. كما كذبت وسائل الإعلام الأميركية على الشعب الأميركي وعلى الرأي العام الدولي مستخدمة حجة أسلحة إمتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل وعلاقة صدام حسين بالقاعدة. ناهيك عن التضليل والتعتيم والتلاعب في تغطية حرب العراق.
كما تم الاعتداء على موقع الجزيرة في شبكة الانترنت وتحطيمه والقضاء عليه نهائيا. كما ضربت قوات الحلفاء التلفزيون العراقي ومكتب الجزيرة وتلفزيون أبو ظبي في العراق. فالتعديل الأول في الدستور الأميركي والذي يتغنى به الأميركان ويقدّسونه ويمجدونه يحمي مهنة الصحافة ويحمي الصحافي من أي تدخل أو اعتداء أو ابتزاز أو استغلال من أية جهة كانت حتى لو كانت الحكومة الأميركية أو الرئيس الأميركي.
لكن ما نلاحظه هذه الأيام عن الممارسة الإعلامية في نقل الأخبار حول العدوان الأميركي البريطاني على بغداد هو تداخل خيوط الاحترافية والمهنية مع الدعاية والتضليل والتعتيم وتبني مبدأ الغاية تبرر الوسيلة وأن المبادئ والقيم والأخلاق التي تسيّر وتدير الممارسة الإعلامية أصبحت مهجورة وغير مطبقة في معظم الأوقات.
كلية الاتصال
جامعة الشارقة