تبقى لطاولة المدير هيبتها والخوف منها في بعض الأحيان وكل منا جلس قبال طاولة المدير في أيام مرت عليه في حياته.. وقد تبدأ بطاولة والدك أو والدتك ان كانا من المثقفين أو أصحاب المناصب ولكن في اعتقادي أن الأغلبية شاهدو طاولة المدير منذ دخولهم المرحلة الدراسية فكانت غرفة المديرة من الغرف التي محظور دخولها أو ندخلها للسؤال والعقاب ونراها من خلف الطاولة وهي مكشره عن أنيابها وتتوعدنا بالضرب ان رجعنا في حركاتنا الطفولية.

لذا بقيت في أذهاننا هذه الطاولة التي تعددت أشكالها وأحجامها فنراها دائرية أو شبة دائرية أو مربعة أو مستطيلة وبأحجام مختلفة وألوان قد تعبر عن شخصية المديرة سواء كانت من فواتح الألوان فهذا دليل انشراحها وتفاؤلها أو أن كانت من الألوان الغامقة فهذا دليل على قتامة شخصيتها أو شريرة

كما كنا نطلق عليها فبقى ارتباطنا بطاولة المدير على إنها شيء محظور الاقتراب منه وفي مرحلة الخوف والخطر وخلال تنقلنا لمرحلة الدراسة المختلفة ارتبطت بنا طاولة المديرة ارتباطاً وثيقاً وبقيت تلك العلاقة المتذبذبة المحملة بالخوف من هذه الطاولة حتى دخلنا المرحلة الجامعية وشاهدنا طاولات مختلفة سواء كانت طاولة المحاضر أو مدير القسم أو رئيس الجامعة أو مديرة السكن أو مديرة (المقام) التي تعمم على حضور الطالبات الساعة التاسعة مساءً،

وهنا اختلفت أشكال الطاولات كل حسب المنصب، فترى طاولة المدرس أو المحاضر بسيطة وعادية ولونها إما بيج أو بني من الخشب العادي، أما طاولة المدير فنراها وسط غرفة تختلف أحجامها بحسب مستوى المدير إن كان مدير قسم أو مدير عام. وقد تكلف الطاولة وتوابعها الآلاف من الدراهم لكن تعطي انطباعاً بهيبة المدير أو (برستيجه) ويميل لونها إلى الأحمر أو الأبيض أو الأسود الفاخر وذو لمعة براقة، وقد تتضمن غرفة المدير طاولة اجتماعات مفاوضات.

ومع دخولنا سوق العمل شاهدنا الكثير والكثير من مختلف أنواع طاولات المديرين سواء في الجهات الحكومية أو الخاصة، ودخلنا على مديري كانت طاولاتهم أكبر منهم وأهم في منظرها وتعطيك انطباعاً بأنه صاحب مظاهر ومزينه بأفخر الأدوات المكتبية المذهبة، ودخلنا على مديري طاولاتهم مليئة بالكتب والمجلات والأوراق والقصاصات كطاولة نائبة وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط كولن باول عندما دخلنا عليها وجدت الكتب والمراجع أكبر منها ولا تراها لو جلست وخالية من أية أدوات فاخرة بل بسيطة إلى أبعد الحدود.

وفي هذا الصدد لا ننسى دور فراش المدير الذي يلعب الدور الرئيسي في تنظيف وترتيب الطاولة وله كل الحق في الدخول والخروج في أية لحظة ويرى ويسمع ويعرف كل صغيرة وكبيرة عن المدير حتى في بعض الأحيان أكثر من الإداري أو السكرتير، ويدخل الشاي والقهوة للمدير وضيوفه وقد يستمع لأحاديثهم ويكون مستودعا لأسرارهم ويعرف مزاج المدير إن كان متوتراً أو «مدير فيه بريد أو مدير فيه اجتماع أو مدير ما في فاضي مشغول تعال بعدين».

ومن أشهر من مثل دور فراش المدير الممثل القدير عبدالحسين عبدالرضا وفي إحدى حلقات المسلسل الكويتي (درب الزلق) وكانت له الكلمة المسموعة عند المدير وكان يقوم باستشارته والتجادل معه إلى أن نسمع كلاً منهم ينادي الآخر (حسينوه) ويرد عليه (ها مديروه) وتراه ينظف الطاولة ويرد على المكالمات ويرتب الغرفة ويلبس المدير بشته قبل خروجه، وتعطى هذه المواقف دلالة على دور فراش المدير الذي يأتي بعض الأحيان بسلطة ورأي لدى المدير مع دوره المهم في تنظيف الطاولة.

لذا نرى لطاولة المدير أهمية لكل من وصل لهذا المنصب ولكن ليس كل من جلس خلف طاولة المدير يسمى مدير بغض النظر عن كونه يصلح أم لا وأخيراً لن أنسى المزهرية السوداء اللون التي كانت تزين طاولة المديرة ومن شدة خوف الورود منها صار لونها غامقا وانتكس رأسها للأرض خوفاً وعطشاً لعدم اهتمام المديرة بها.