«من جاور السعيد يسعد، ومن جاور الحداد يكتوي بناره» مثل لا ينطبق على علاقة الولايات المتحدة بأميركا اللاتينية حيث تكشف علاقات الجوار الجغرافي فيما بينهما عن أن من جاور أميركا يكتوي بنيرانها وقواتها ومخابراتها وجنرالاتها وعملائها ومؤامراتها وانقلاباتها وهيمنتها واستعلاءاتها. فالولايات المتحدة الأميركية، عبر علاقاتها الطويلة بدول القارة الجنوبية، مارست كل أنواع التسلط والهيمنة والإرهاب والمذابح تجاه دول القارة المسيحية. كما أنها تعاملت مع القارة بوصفها الولاية الثانية والخمسين الأميركية التي يحق لليانكي الشمالي التدخل فيها أينما أراد وكيفما شاء.

لم تكن القارة الجنوبية الغنية بمواردها وتراثها وحضارتها ومفكريها وروائييها وشعرائها بالنسبة لهذا اليانكي الدموي سوى فضاء جغرافي ملاصق يحق له التدخل في شؤونه وتسييرها وفقاً لمصالحه وأهدافه. لقد تم إعادة تشكيل القارة بأكملها، مثلما فعل الأسلاف الأوروبيون، وفقاً للأهداف الأميركية الرأسمالية، بحيث لا تستطيع دول القارة أن تملك حرية التصرف في مواردها إلا بما يتوافق مع أهداف الجار الشمالي ومصالحه المختلفة.

والذين يتحدثون عن الممارسات الأميركية الإمبريالية في عالمنا العربي، رغم صحة هذا الحديث وبربرية تلك الممارسات، لا يدركون الكيفية والأساليب التي تتدخل بها أميركا في القارة الجنوبية. فالبعد الجغرافي بيننا وبين الدولة الإمبريالية لم يجعل العالم العربي في قبضة الهيمنة الأميركية المباشرة، رغم وجود وجه العملة الإمبريالي الآخر في المنطقة، إسرائيل.

لم تكن أميركا اللاتينية بالنسبة لليانكي الشمالي، قاتل الهنود الحمر وتاجر العبيد الأبيض، سوى منجم هائل يتم استحلاب خيراته، مع إمكانية استخدام مواطنيه كعمال وخدم وفلاحين. لقد استباحت أميركا القارة الجنوبية منذ نشأتها وحتى الآن، إلى الحد الذي أصبح فيه هذا الإستغلال ممارسة روتينية من جانب الإدارات الأميركية المتعاقبة. والويل كل الويل لمن تسول له نفسه مقاومة هذا الإستغلال الأميركي، فمصيره مثل مصير سلفادور الليندي قتلاً، أو فيدل كاسترو حصاراً، أو جبهة الساندينستا إرهاباً، أو شافيز نبذاً ومواجهة.

منذ الستينيات وحتى بداية الثمانينيات مارست أميركا كل أنواع التدخل الدموي السافر ضد سكان القارة الجنوبية، ضد كوبا ونيكارجوا وتشيلي وبنما والأرجنتين وكولومبيا، وغيرها الكثير من دول المنطقة وسكانها. وعبر كل هذه التدخلات العسكرية والمخابراتية والأمنية كانت الولايات المتحدة هى الوكيل الحامي لرأس المال الأميركي ولرجال الأعمال الأميركيين ومصالحهم المادية المباشرة في القارة الجنوبية.

وربما يذكرنا تدخل أميركا المباشر في تشيلي عبر وكالة المخابرات الأميركية، والدعم المفضوح لقوات الإنقلاب الدموي بقيادة الجنرال أوجستو بينوشيه ضد الرئيس اليساري المنتخب شرعيا سلفادور الليندي وقتله في الحادي عشر من سبتمبر 1973، بمدى وحشية الممارسات الأميركية في القارة الجنوبية.

ولأن التاريخ هو تاريخ الأقوياء والليبراليين الأميركيين الفاشيين، لا يتحدث أحد عن آلاف القتلي وآلاف النشطاء اليساريين المختفين على أيدي الجنرال بينوشيه الذي حل محل الرئيس الراحل الليندي. لقد ظل بينوشيه حاكماً لتشيلي مدة سبعة وعشرين عاماً، كان خلالها حامي المصالح الأميركية في المنطقة، والمتعاون الأول معها من أجل كبح الحركات الثورية في القارة الجنوبية.

لقد مارست الولايات المتحدة الأميركية عبر عقدين من الزمان منهجية التدخل السافر المنظم والمتواصل في شؤون القارة الجنوبية من أجل دعم الجنرالات العسكريين، وتثبيت أوضاعهم، والحفاظ على مصالح رجال الأعمال الأميركيين. وعلينا هنا أيضاً ألا ننسى ذلك العداء المستحكم لمدة تزيد على نصف القرن بين أميركا وكوبا، لمجرد أن فيدل كاسترو إختار نموذجاً سياسيا لا يعجب القائمين في البيت الأبيض، ولا يتوافق مع مصالحهم.

ورغم هذا التاريخ الدموي الطويل والعنيد فإن الولايات المتحدة الأميركية لا تتوقف عن التحدث عن الحرية والديمقراطية والخير الوفير الذي تحمله لأبناء القارة الجنوبية. وعلى ما يبدو أن الإدارة الأميركية تنطوي على قدر هائل من الكذب والخديعة لدرجة تصديق الذات.

فالدعاية الأميركية ترتكز على مبدأ رئيس سواء في تعاملاتها مع الداخل الأميركي أو مع الخارج العالمي فحواه أن الكذب والإدعاء والمغالطة هي الوسائل الوحيدة لكي يصدقك الآخرون ويتبعونك، وربما يرددون ما تقولونه وينشرونه بالنيابة عنك. اكذب اكذب اكذب وسوف يصدقك الآخرون، فإن لم يصدقوك فإن قواتنا جاهزة لتغيير النظم، وقمع حركات التحرر، وقتل المعارضين. أليست إستراتيجية الكذب هذه هى ما يقوم به الليبراليون العرب الجدد حينما يتحدثون عن النموذج الأميركي بوصفه منارة الرقي والتقدم والديمقراطية، والتغاضي عن الممارسات الأميركية والإسرائيلية القمعية في الوقت ذاته.

وعلى ما يبدو أن الكذب والدعاية الأميركية صفة ملازمة للسياسة الخارجية الأميركية سواء أكانت تابعة للحزب الديمقراطي أو للحزب الجمهوري. ففي يوم السادس من هذا الشهر إستهل الرئيس الأميركي زيارته لأميركا اللاتينية بزيارة البرازيل، والتي أتبعها بعد ذلك بزيارة كل من أورجواى وكولومبيا وجواتيمالا والمكسيك.

وقيل إن هدف الزيارة هو تفعيل العلاقات مع القارة الجنوبية في مواجهة الأقاويل المترددة حول إهمال الإدارة الأميركية الحالية لأميركا اللاتينية وانغماسها في حرب العراق ومواجهة الإرهاب. لكن الكثير من المحللين والنقاد والمعلقين يفسرون سبب الزيارة بمواجهة المد اليساري في أميركا اللاتينية الذي يتزعمه الآن الرئيس الفنزويلي هوجو شافيز، والذي استهل هو الآخر رحلة موازية لرحلة بوش للعديد من الدول مثل الأرجنيتن وهاييتي.

ورغم أن أجندة بوش لم تحمل سوى التركيز على بعض القضايا تمثلت في مناقشة اتفاقيات التجارة الحرة مع أوروجواي، ومكافحة المخدرات مع كولومبيا، والسيطرة على المهاجرين مع المكسيك، إضافة إلى توقيع اتفاقية غاز الميثانول مع البرازيل، فإن الإدارة الأميركية حاولت أن تصور الزيارة بوصفها دليلا على الإهتمام الكبير بشؤون القارة الجنوبية وأحوالها. وهو الأمر الذي ظهر من خلال تعليقات بوش بخصوص تجاهل إدارته للقارة حينما قال: كيف، كنا أسخياء مع أميركا اللاتينية، ولم نحصل على تقدير كبير مقابل ذلك.

لم نول ظهورنا للقارة، فقد بلغت المعونات الأميركية لدول المنطقة 6,1 مليار دولار العام الماضي فقط. علينا هنا أن نتذكر أن الرئيس الفنزويلي هوجو شافيز في تحديه للإدارة الأميركية منح دول الجوار ما يقارب من 16 مليار دولار في السنوات الأخيرة، أستفادت منها على وجه الخصوص كلٍ من الأرجنتين وبوليفيا!!

في أميركا اللاتينية الآن روح تمرد قوية، لا تقف فقط عند اليساريين، لكنها تشمل أطيافاً مجتمعية واسعة، ترفض في جوهرها الهيمنة الأميركية والبرامج النيوليبرالية الاقتصادية الجديدة التي لم تجلب للقارة سوى المزيد من الفقر والتدهور المادي. والمسألة لا تتعلق ببوش وحده، ولكنها تتعداه إلى الإدارات الأميركية السابقة.

فلم تجلب السياسات النيوليبرالية، التي تم فرضها على العديد من دول أميركا اللاتينية في عهد إدارة كلينتون، والتي تمثلت في تقليص الخدمات الاجتماعية، وخصخصة القطاع العام، وإعادة هيكلة القطاعات المالية، إلا الخراب لهذه الدول. ولم يستفد أحد من تطبيق هذه السياسات سوى رجال الأعمال الكومبرادوريين في القارة والشركات متعددة الجنسية على حساب الأغلبية الفقيرة من سكان أميركا اللاتينية، وهو الأمر الذي أدى في النهاية إلى خفض الناتج المحلي الإجمالي لدول القارة، وتعظيم الفجوة بين الفقراء والأغنياء في العديد من دول القارة.

ومن عجب أن يتصور الرئيس الأميركي أنه يحمل الخير لسكان القارة الفقراء، ومن عجب أن يتخيل أن مساهمة أميركا في علاج بعض المرضى من سكان القارة الجنوبية، وتعليمهم اللغة الإنجليزية سوف ينهي عهوداً طويلة من الإستغلال الشمالي لهم. وهو الأمر الذي ظهر من خلال تلك المظاهرات الحاشدة التي واجهته في كل من البرازيل وأورجواي وجواتيمالا والأرجنتين.

فقد كان الشعار الرئيس لهذه المظاهرات والحشود هو «فورا بوش»، و«جرينجو بوش»، وكلاهما يعلنان الرغبة في خروج بوش من أرض القارة وعدم العودة لها. والكلمتان، الأولى بالبرتغالية والثانية بالأسبانية، تتضمنان رفضاً لهيمنة الرجل الأبيض القادم من الدول الغربية مثل الولايات المتحدة الأميركية وأيضاً كندا وبريطانيا واستراليا.

إنهما كلمتان تحملان رفض الإستعلاء الأبيض أينما كان، بما يحمله معه من إستغلال وقهر وهيمنة وتشريد. لقد كشفت المظاهرات والحشود اللاتينية الضخمة ضد القادم الأميركي غير المرغوب فيه، عن أن المعركة بين اليانكي والقارة الجميلة أكبر من أن تُختزل في تحجيم اليسار اللاتيني أو التضييق على شافيز. إنها معركة قارة بأكملها تهب من أجل الحرية والعدل والكرامة.

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com