هل إرسال قوات دولية إلى إقليم دارفور غاية أم وسيلة؟ إنه تساؤل ينطوي على بدهية، فالمفترض بالطبع أن حلول قوات عسكرية دولية على أرض دارفور لا ينبغي أن يكون غاية في حد ذاته. وعلى هذا النحو فهو وسيلة لغرض إحلال السلام في الإقليم بعد أن تنجح هذه القوات في وقف القتال بين الطرفين المتحاربين: جيش الحكومة السودانية وما يتبع له من ميليشيا قبلية مساندة والقوات التابعة لمنظمات التمرد المسلحة.

ولكن التساؤل يقود إلى تساؤل هو: أليس هناك وسيلة أرخص وأكثر ضماناً لإحلال السلام؟ حتى لو افترضنا حسن النية في إصرار الولايات المتحدة ومعها قوى غربية أخرى على إرسال قوة عسكرية دولية إلى دارفور لتنضم إلى القوة العسكرية التابعة للاتحاد الإفريقي، فإن هذه القوة قد تبقى هناك على مدى سنين عددا، دون أن تستطيع إحلال السلام الشامل، لأن مهمتها ببساطة محصورة في تفويض عسكري وليس تفويضاً سياسياً.

بالطبع لم يحن الوقت بعد لرسم تفاصيل التفويض العسكري للقوة الدولية، فالمسألة لا تزال موضع أخذ ورد بين الحكومة السودانية والأمانة العامة للأمم المتحدة، لكن المؤشرات التي تصدر عن مسؤولي الأمم المتحدة تفيد بأن مهمة القوة ستكون محصورة في مراقبة وقف إطلاق نار وحماية معسكرات النازحين واللاجئين مع توفير حماية للمدنيين بوجه عام، وأيضاً للعاملين في منظمات «الإغاثة» العالمية، لكن لو نجحت القوة الدولية في هذه المهمة المحددة فبسطت حالة عامة من الهدوء الأمني في أنحاء إقليم دارفور فإن هذا ليس معناه إحلال السلام الشامل. فالسلام الشامل لا يتحقق إلا عبر تسوية سياسية نهائية بوسائل التفاوض السلمي.

هنا نأتي إلى بدهية أخرى: التفاوض السلمي غير ممكن إلا بواسطة قياديين سياسيين من الطرفين المتحاربين يجلسون معاً لمخاطبة الأسباب الجذرية للأزمة للتوصل إلى حلول مستديمة لا بواسطة جنرالات تابعين للأمم المتحدة لا يعرفون سوى لغة السلاح الناري.

وثمة بدهية ثالثة: إذا توصل الطرفان عبر التفاوض السلمي إلى اتفاقية سياسية نهائية مبنية على مخاطبة العناصر الجذرية للأزمة ومعالجتها، فإن الحرب تتوقف تلقائياً، وبالتالي تنتفي الحاجة إلى قوة عسكرية دولية، إلا أن تكون بعثة عسكرية رمزية لأمد زمني قصير ومحدد.

من هنا يطرأ تساؤل: لماذا لا تتركز مساعي الولايات المتحدة والقوى الغربية الأخرى والأمم المتحدة لجمع الطرفين حول مائدة تفاوض عوضاً عن التركيز والإصرار ـ وهو إصرار مريب ـ على إرسال قوة عسكرية دولية إلى دارفور؟

هنا يتجلى اختلال معيب وغريب في معايير السبب والنتيجة.

القوى الدولية الغربية تعطي الأولوية لشؤون اللاجئين وجمعيات الإغاثة والانتهاكات الإجرامية من طرفي القوات الحكومية والقوات المتمردة، بينما هذه كلها تدخل في تصنيف «النتيجة» وليس السبب، فهي نتيجة من إفرازات الحرب، والحرب نفسها نتيجة للأزمة السياسية الناشئة عن المشكلة السياسية الجدلية المتمثلة في مطالب منظمات التمرد بشأن قسمة السلطة والثروة، فهل هذا الخلل في معايير السبب والنتيجة مجرد زلل عرضي أم أنه سياسة موضوعة.. ومقصودة؟