بالنهاية تحققت الوعود والتوقعات وتمت ولادة حكومة الوحدة الفلسطينية، التي طال انتظارها بخير. المخاض العسير الذي رافقها انتهى بمولود معافى؛ بشهادة الأطباء الذين أشرفوا على العملية، وبذلك أسدل الستار على مرحلة صعبة كانت محفوفة بمخاطر كارثية. على هذه الخلفية يأتي التوافق على تشكيل الحكومة بمثابة إنجاز تاريخي. كان كصمام الأمان الذي نجح في ردّ الوضع الفلسطيني عن حافة الهاوية. لكن المرحلة الجديدة لن تكون أقل صعوبة، بل أكثر.

فالتحالف الجديد أمامه رزمة تحديات، نجاحه كما استمراره مرهون بمدى قدرته على التصدي لها، من دون أن يؤثر ذلك على تماسكه، بالتحديد في تعامله مع ملف قضيته الوطنية. فالحكومة الجديدة تجربة جديدة تماماً في الحياة السياسية الفلسطينية. ولدت بعملية شبه قيصرية وعلى أرضية علاقة مصبوغة بالدم بين طرفيها الأساسيين.

قبلها كان في الساحة الفلسطينية مقاربتان للتعاطي مع الاحتلال وانتزاع الحقوق الفلسطينية، الآن هناك برنامج واحد قام عليه الائتلاف. الصراع السياسي الفلسطيني بات ـ أو هكذا يفترض ـ محكوماً بضوابط هذا البرنامج. الأمر الذي يترتب عليه مهمة داخلية أولية: نزع أو تجميع السلاح وحصره بقوى الأمن الرسمية، الشارع الفلسطيني دفع غالياً ثمن الانفلات الأمني، وربما كان النهوض بهذه المهمة بمرتبة الاختبار الأول لحكومة هنية الجديدة.

وهنا يلعب الوقت دوراً مهماً، ذلك أن الإسراع في معالجة أمور البيت الفلسطيني شرط لا غنى عنه للالتفات إلى المهمات الكبيرة الأخرى وعلى رأسها العمل وبالسرعة الممكنة على فك الحصار المضروب على الشعب الفلسطيني، بشقيه الاقتصادي والسياسي تمهيداً للالتفات إلى الحصار الإسرائيلي وما يتناسل عنه.

وغني عن القول ان الوضع السائد في قطاع غزة، فلسطينياً، والمعروفة تفاصيله المأساوية، قد حان أوان طي صفحته؛ بحيث يمكن توجيه الاهتمام شطر الضفة وما تتعرض له من قضم استيطاني ـ جداري متواصل؛ وكذلك شطر مطلب إقامة الدولة الفلسطينية الموعودة؛ مع كل ما يتطلبه ذلك من تحريك واستنفار دبلوماسي فلسطيني وعربي باتجاه الساحة الدولية.

الذريعة التي طالما تلطّت إسرائيل وراءها، لإخفاء مراوغتها وتملّصها بأنه ليس هناك شريك فلسطيني واحد لمفاوضته، أسقطتها حكومة الوحدة. ومما لا شك فيه أن تل أبيب لن تدخر جهداً أو فكراً للتخريب على الصورة الفلسطينية الجديدة من لعبة التعجيز إلى محاولات اللعب على خلافات وتناقضات، بهدف رمي الكرة دائماً في الملعب الفلسطيني، وبالتالي التنصل من التزامات السلام.

غداً بعد نيل الحكومة ثقة المجلس التشريعي، يبدأ فصل جديد من تاريخ المسيرة الوطنية الفلسطينية، دروس تجارب الماضي وتراكماتها، غنية إلى الحد الذي يجب أن يستقيم معه تصويب البوصلة وإعادة العمل الفلسطيني في هذه المرحلة إلى السكة السوية. فالمسؤوليات كبيرة وتاريخية، التي على الحكومة النهوض بها، ترسيخ السلم الأهلي وإنجاز مهمة الخلاص من الاحتلال