أخيراً أبدى الرئيس الأميركي اهتماماً بمصادر الطاقة البديلة بعد أن ارتفع سعر برميل النفط وتزايد الحديث عن الأضرار البيئية التي تسببها أنواع الوقود المستعملة حالياً. هكذا تحدث خوسيه بيلون، المزارع من مدينة ساو باولو التي تقع في جنوب البرازيل لمراسل الجريدة الأميركية كرستين سينس مونيتور(8/ 3). وبيلون هذا يزرع قصب السكر في مزرعته منذ العام 1946، بيد أن زراعته للقصب لم تعد بداعي تحويله إلى سكر، فهو منذ العام 1975 أخذ يحول إنتاجه إلى وقود يسمى الإيثانول.
ويبدو أن دبلوماسية الإيثانول كانت مدخلاً طيباً للرئيس الأميركي جورج بوش الابن، كي يستهل بها زيارته إلى خمس دول في «حديقة الولايات المتحدة الخلفية» والتي أصبح الكثير من أنظمتها، ناهيك عن شعوبها، تدور منذ أكثر من عقد في فلك مستقل عن الفلك الأميركي. ولعل الحديث حول إنتاج وقود الإيثانول كان خير ما يبتدئ به بوش الابن زيارته إلى البرازيل، حيث تنتج الدولتان 70% من هذا الوقود عالمياً.
وتحاول إدارة بوش زيادة إنتاج الولايات المتحدة من الإيثانول بخمسة أضعاف ما هو عليه حالياً مع حلول العام 2017 ليصل إلى 35 مليار جالون سنوياً. غير أن ما يعيق الوصول إلى هذا الرقم ـ كما هو متوقع ـ أن إنتاج الإيثانول في الولايات المتحدة هو أكثر تكلفة بكثير منه في البرازيل، حيث تستخرج تلك المادة من تقطير الذرة وليس قصب السكر. والحق أن البرازيل من الدول الرائدة في إنتاج مادة الإيثانول، إذ يعود ذلك إلى العشرينات من القرن الماضي.
ولم تدخل تلك المادة كوقود للسيارات إلا حينما بدأت أسعار النفط بالارتفاع بعد حرب أكتوبر من العام 1973. وفي الوقت الحالي، فإن ثلثي السيارات المصنعة في البرازيل تستخدم الإيثانول، أما إنتاج تلك المادة فقد وصل في العام الماضي ( 2006) إلى حوالي 5 ,4 مليارات جالون، والمؤمل أن يصل ذلك الرقم إلى حوالي 4 ,9 ملايين جالون في العام 2013.
وفي ما كان الرئيس الأميركي جورج بوش الابن يجول في بعض دول تلك القارة، كان غريمه الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز يقوم بجولة مضادة يؤلب فيها جماهير أميركا اللاتينية على الرئيس بوش وإدارته ويسخر من طروحاته حول حرية التجارة، ويقدم بديلاً هو عبارة عن نوع جديد من الاشتراكية تتناسب والقرن الحادي والعشرين.
ففي الوقت الذي كان بوش الابن في الأرغواي، نظم شافيز مع أعضاء النقابات العمالية في الدولة المجاورة للأرغواي وهي الأرجنتين مهرجاناً ضخماً في أحد ملاعب كرة القدم لما اسماه القوى المضادة للإمبريالية. ولم يحضر رئيس الأرجنتين نيستور كيرشنر ذلك التجمع هو وأعضاء حكومته حفاظاً على صلات الود بينهم وبين الإدارة الأميركية.
وشافيز في جولته المضادة لم يركن فقط على دبلوماسية «الصراخ والتحريض» بل قرنه بدبلوماسية «البترودولارات» التي تمتلك فنزويلاً رصيداً ضخماً منها بفعل ارتفاع أسعار النفط، حيث تعتبر هذه الدولة واحدة من أهم منتجيه العالميين. فطبقاً للبي بي سي ( 8/ 3) فقد اشترت فنزويلا ما قيمته مليار ونصف المليار من الدولارات أسهماً لشركات أرجنتينية.
وفعل ذات الشيء في بوليفيا، التي يحكمها زميله الرئيس اليساري ايفو موراليس، فقد تعهد بتقديم ما يزيد على المليار دولار لمشاريع متعلقة بالنفط فضلاً عن تلك المساعدة (15 مليون دولار) التي كانت فنزويلا قد قدمتها لإغاثة منكوبي فيضان عارم ضرب تلك البلاد مؤخراً وشرد الآلاف.
وهي مساعدة تفوق كثيراً تلك التي قدمتها الولايات المتحدة الأميركية التي يبدو أنها قررت معاقبة النظام الجديد الذي يرأسه موراليس اليساري المنحدر من سكان البلاد الأصليين.ومن المفارقات التاريخية أن تتجه معظم دول أميركا اللاتينية لتتبنى شكلاً من أشكال الاشتراكية، في الوقت الذي خبا فيه بريق ذلك النظام في مهده أقصد بروسيا وأوربا الشرقية.
ويعد الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز خليفة لفيدل كاسترو، الذي ظل نظامه وحيداً في محيط معادٍ لأنظمة تابعة للولايات المتحدة. ولعل موجة الديمقراطية التي اكتسحت تلك القارة منذ ثمانينات القرن الماضي قد أوصلت الكثير من أصحاب الميول اليسارية إلى سدة الحكم. ولعل آخر هؤلاء كان دانيال أورتيغا الزعيم السابق للجبهة الساندانيستية في نيكاراغوا والذي هزم في انتخابات العام 1990 ليستعيد السلطة ثانية بعد ست عشرة سنة!
وتجتذب تجربة الصين التنموية إعجاباً كبيراً في أميركا اللاتينية بالذات في البرازيل، «وهي تجربة أخرجت 400 مليون إنسان من حالة الفقر والكفاف إلى حالة الغني والرفاهية»، كما قال شارلز تانغ الذي يرأس غرفة التجارة البرازيلية الصينية للبي بي سي (3/ 4/ 2006).
وتنشط الصين في جميع المجالات الاقتصادية في تلك القارة كمجال النفط والغاز والسكك الحديد والموانئ وصناعة الصلب وغيرها. وبالطبع، فإن مثل هذه التوجهات الجديدة في أميركا اللاتينية تثير مخاوف واشنطن. فالولايات المتحدة تعتبر أميركا اللاتينية مجالها الحيوي الذي لا تسمح لأحد باختراقه منذ أن وضع الرئيس الأميركي جيمس مونرو في العام 1823 مبدأ حمل اسمه حيث حذر فيه الدول الأوروبية آنئذ عن الابتعاد في التدخل بشؤون هذه القارة.
ومن أجل المحافظة على هذا المبدأ وتحقيقاً لمصالحها، قامت الولايات المتحدة الأميركية بالإطاحة الفعلية أو بزعزعة استقرار 40 حكومة من حكومات أميركا اللاتينية طوال القرن العشرين!! ولعل ما زاد الهوة بين هذه القارة والولايات المتحدة الأميركية هو أن إدارة بوش الابن ذات التوجهات الليبرالية الجديدة لا يمكن أن تعطي حلولاً لمشكلات أميركا اللاتينية المتمثلة بالتخلف الاقتصادي والهوة السحيقة القائمة في مجتمعاتها بين الأغنياء والفقراء.
وحرية التجارة ورفع جميع القيود بما فيها الضرائب على الواردات - وهي الشعارات التي يرفعها بوش ـ ما هي إلا شعارات جوفاء لا مصداقية لها بدليل أن الولايات المتحدة تفرض ضريبة مقدارها 54 سنتاً على كل جالون إيثانول يدخل إليها من البرازيل!
ويبدو أن انشغال الولايات المتحدة الأميركية في مناطق متعددة من العالم كأفغانستان والعراق فضلاً عن حملتها العالمية لمكافحة الإرهاب قد فتح الفرصة التاريخية لشعوب القارة الأميركية اللاتينية لاختيار أنظمة تحقق لها ما تصبو إليه من مساواة وعدالة اجتماعية دون خوف من تدخل الجار الكبير،
أو إعادة لسيناريوهات الماضي كما حدث لحكومة شيلي بقيادة سلفادور أليندي في العام 1973. وقد تكون أميركا اللاتينية مبعثاً لاشتراكية جديدة تتلافى أخطاء الماضي وسلبياته وتساير روح العصر ومستجداته.
كاتب كويتي
alyusefi@hotmail.com
