إذا كنا توقفنا قبل ذلك في حديثنا عن معالم وخصائص المدينة الفاضلة، عند دور المواطن ورجل الأعمال والمثقف والوزير، فإننا نريد التوقف عند أدوار لأفراد ومواطنين آخرين لا يقلون في الأهمية عن دور الذين تحدثنا عنهم، من هؤلاء الذين نريد التوقف عندهم: الإعلامي، والرياضي، والمثقف، والموظف... الخ.

وفي هذه المقالة سوف نركز على الجانب الأخلاقي للإعلاميين، حيث إنه من الجوانب التي تفتقدها المدن غير الفاضلة، كما يفتقدها الإعلام في أكثر دول العالم المعاصر، بدرجة أو بأخرى من دولة إلى دولة، ومن جريدة إلى جريدة، مثلما يوجد تفاوت بين كل وسائل الإعلام الأخرى في مقدار الابتعاد عن المعايير الأخلاقية في طرح المادة الإعلامية وفي التعبير عن الحقائق.

ولا نريد أن نقف هنا فقط عند واجبات الإعلاميين، بل نريد أن نقف عند حقوقهم أيضاً، تلك الحقوق التي يفتقدونها في كثير من الأحيان، ومن أول حقوق الإعلاميين في المدن الفاضلة حق التعبير وحق الاطلاع والحق في تدفق المعلومات الحر والعادل داخل المجتمع.

واستقلالية المحرر مقدسة في المدينة الفاضلة، فمبدأ الحرية أساسي، لكن تأخذ المدينة الفاضلة في الوقت نفسه بعدم تجاوز حدود حريات الآخرين، فحرية التعبير التي تعتز بها المدينة الفاضلة وتحرص عليها يجب ألا تكون وسيلة للمساس بالمعتقدات الدينية لأي مجتمع، لأن ذلك يتناقض مع التوجه العالمي في احترام الأديان وترسيخ مبادئ التعددية والانفتاح بين الحضارات.

كما أن من حق الإعلامي أن يتمتع بحياة كريمة تضمن له الحماية من السقوط أمام الإغراءات المادية، وأن يتمتع بحماية قانونية ضد الاضطهاد أو فقدان الوظيفة أو التشهير أو الوقف عن العمل، إلا وفق قواعد قانونية واجراءات محاكمة عادلة.

أما الواجبات التي تقع على عاتق الإعلاميين، فهي متعددة، حيث تهتم مبادئ الإعلام بقواعد الأخلاق المهنية، وعدم الحياد عن القيم الخالدة، مثل الموضوعية والعدل وتحري الحقيقة، والالتزام بالصدق والموضوعية والتأكد من صحة الاخبار ودقة مصادرها قبل نشرها أو إذاعتها وتجنب نشر الاخبار المغرضة أو المشكوك في صحتها أو ترويج الشائعات المضللة والكاذبة،

ومن واجب الإعلامي حماية سرية المصادر ولو لم توجد هذه القاعدة في المدينة الفاضلة، فإن تلك المصادر ستعزف عن الكلام، ولن يصبح تدفق المعلومات على نفس الدرجة من الحرية، والعلاقة بين المصدر والمراسل واضحة وتخضع لأخلاقيات جمع الاخبار، ويتعهد الإعلامي في المدينة الفاضلة بضمان سرية المصادر، فإذا ما سأله محرر ما عن هوية ذلك المصدر، على المراسل ان يعلم المصدر بطلب المحرر.

فإذا ما رغب المصدر في حجب هويته عن المحرر، وجب ـ حينئذ ـ على المراسل أو المحرر ان يقرر بشأن استخدام تلك المعلومات أو عدم استخدامها، في ضوء ان تظل هوية المصدر معروفة فقط لدى المراسل، وبطبيعة الحال سرية مصادر الاخبار واجبة إلا فيما يمس الأمن الوطني للمدينة الفاضلة.

كما ان الحفاظ على الأخلاق العامة لا مفر منه في نشر الإعلانات، فلا مجال لاستخدام وسائل الإثارة للترغيب فيما يراد ترويجه من سلع وخدمات، والحرص على ألا يتعارض مع القيم والأخلاق، مع تطبيق المعايير والضوابط الخاصة بمختلف المواد الإعلامية.

ولا مجال للتلاعب وتغيير المصدر، ولا مجال أيضاً للخداع والزيف، ولاشك ان موضوع تضارب المصالح، من الموضوعات التي تحلها المدينة الفاضلة ببساطة شديدة، حيث تنص على رفض قبول الهدايا ورحلات السفر المجانية، وغير ذلك من أشكال العطايا التي تؤثر على مصداقية الإعلامي وكرامة المهنة.

ومن أكثر القضايا التي يواجهها الإعلاميون في المدن غير الفاضلة، القضايا المتعلقة بالتنوع في الأجناس والأديان، كاستخدام الجنس كمميز في الأخبار والقصص، وكذلك قضايا التمييز العرقي، لكن في المدينة الفاضلة رفض واضح لمبادئ التمييز العنصري.

والعصبية والتعصب بجميع أشكاله، وإذا كانت المدن غير الفاضلة لا تطبق المواثيق الأخلاقية، ففي المدينة الفاضلة إذا حدث أي انتهاك لبعض التعليمات فإن هذا يؤدي إلى إجراء تأديبي أو الفصل، كما يلتزم الموظفون بإخطار المشرف أو المحرر بأي انتهاك للقيم الأخلاقية.

ويشيع في المدينة الفاضلة أخلاقيات تداول المعلومات والسياسات التربوية التعليمية، حيث لا يوجد بها انتهاك لقوانين حقوق نشر البرامج والمقالات، فحق المؤلف يكفله القانون وتوجد التشريعات اللازمة لحماية هذا الحق. كما يوجد بالمدينة الفاضلة تطبيق لمناهج تعليمية تدور حول أخلاقيات تداول المعلومات، وهذا اتجاه أفضل كثيراً من التلويح والتهديد بالعقوبات القانونية لفرض الأخلاق على بعض الشباب من مستخدمي الحاسوب (الكمبيوتر)،

فأخلاقيات المعلومات تعد عنصراً واحداً من الفلسفة الأكبر المعروفة باسم الأخلاقيات الاجتماعية وهو عنصر يتعلق بسلوك مستخدمي المعلومات، استناداً إلى إحساسهم بالمسؤولية ومدى الاعتماد عليهم، فالوكالات والأفراد والمنظمات والمجتمعات الحرة يجب أن تتحلى بالمسؤولية تجاه ما تأتي به من تصرفات، فهم يتحملون نتاج تلك التصرفات أمام الآخرين، ففي معظم البلدان،

هناك نظام قانوني مسؤول عن تصنيف وتنظيم المعايير الأخلاقية الأكثر أهمية، وعن إدانة الأفراد والمنظمات وحتى الحكومات ممن يثبت ممارستهم لأنشطة غير أخلاقية. وتتضمن تكنولوجيا المعلومات النزاع بين الحفاظ على خصوصيات الآخرين، والسعي نحو الحرية الفردية والاستقلال الذاتي، فالخصوصية هي الحق الأخلاقي المكفول للأفراد ولا يجدر المساس بها، إلا إذا أرادوا هم اطلاع الآخرين عليها.

إلا أن الحكومات، والشركات الخاصة، وعادة الأفراد، يهتمون بمعرفة معلومات الأفراد الشخصية. فأين اذن يجب وضع الخط الفاصل بين حق الفرد في خصوصيته، واهتمام المنظمات بمعرفة أشياء تخص ذاك الفرد؟ إضافة إلى ذلك، من شأن تقنيات المعلومات الجديدة أن تزيد الأمر تعقيداً بأن تجعل جمع،

وتخزين، واستعادة، وتحليل المعلومات أمراً غاية في السهولة، فبالإضافة إلى تلك القضايا الخاصة بامتلاك المعلومات الشخصية، تطرح تقنيات المعلومات الجيدة مشكلات حماية الملكية الفكرية. وعلى الإعلام ـ بشكل عام ـ أن يفعل الآتي:

1 ـ حماية كافة الخصوصيات والسرية الخاصة بالمعلومات.

2 ـ استخدام مهاراته ومعرفته في إعلام الجمهور بالمنتجات الأعلى جودة المتعلقة بمجالات خبراته.

3 ـ دعم، واحترام، والانصياع لكافة القوانين المحلية والدولية.

4 ـ عدم استخدام معلومات ذات طبيعة سرية أو شخصية لتحقيق مكاسب شخصية.

وربما يجدر بنا أن نتوقف قليلاً عند سر إخفاق المدن غير الفاضلة في أخلاقيات الإعلام، نظن أن هناك عدة أسباب رئيسية وراء الإخفاق الأخلاقي للإعلام في هذه المدن، منها الأسباب التي تكمن في السياسة الاقتصادية للرأسمالية، والتي تتطلب أن يصبح الربح الخاص لحملة أسهم كبرى مؤسسات الأخبار هو الهدف الرئيسي وراء النشاط الإعلامي،

ومنها توظيف السلطات السياسية في العديد من المدن غير الفاضلة لكثير من الصحف المعبرة عن مصالحها، والتي تضلل الرأي العام في كثير من القضايا. وفي القطاع المتخلف من المدن غير الفاضلة بشكل خاص نجد أن كثيراً منها لا تكتفي بفعل هذا بل تمنع أي مجال للأقلام المعارضة، وتحول دون نشر الآراء المخالفة لها في التوجه العام أو الخاص، وقل مثل ذلك في سائر وسائل الإعلام.

ولذا على كل مواطن أو مسؤول يريد أن يصل بمدينته إلى مستوى المدينة الفاضلة أن يكافح من أجل أن يقضي على أسباب إخفاق المدن غير الفاضلة في أخلاقيات الإعلام، وأن يساهم في ترسيخ أخلاقيات الإعلام، فهي جزء لا يتجزأ من المدينة الفاضلة التي يحلم بها كل من بقي لديه وازع من ضمير... والله من وراء القصد.

جامعة الإمارات

Razak-doc@hotmail.com