بدأ مجلس الشيوخ في مناقشة مشروع قرار ملزم يقضي بانسحاب القوات الأميركية من العراق في موعد أقصاه 31/ 3/ 2008. إذا حصل التصويت ونال مشروع القرار العدد المطلوب، تكون العملية على مسافة سنة من اليوم. الحزب الديمقراطي الذي طرح المشروع يملك الأكثرية في المجلس، كما قد يكسب إلى جانبه بعض الجمهوريين، ولا يعني ذلك بالضرورة تمريره كقانون،
فللرئيس حق إسقاطه بالفيتو، لكن ليست المسألة هنا، إنها في كون أن الخطوة تمثل بداية دخول الكونغرس على الخط من موقع صلاحياته المالية والدستورية؛ لإجبار الرئيس بوش على التراجع عن سياسته، وفرض الانسحاب عليه من الورطة العراقية.
لم يحصل شيء من هذا القبيل منذ فييتنام، بعد حصار خليج تونكين، تحرك الكونغرس يومذاك، كان منطلق عملية الانسحاب من فييتنام وورطتها، الظروف متشابهة إلى حد بعيد، من حيث المأزق، ثم إن حملة انتخابات الرئاسة باتت على الأبواب.
وبالتالي فإن تماسك الجمهوريين في الكونغرس والتفافهم إجمالاً، حول الرئيس؛ قد لا يبقى على حاله، خاصة إذا تعثرت الخطة الأمنية، التي يراهن عليها البيت الأبيض، وما قد يجره ذلك من زيادة هبوط في رصيده وكذلك رصيد حزبه. الأمر الذي يؤدي إلى انفضاض معظم حزبه في الكونغرس، من حوله؛ بحيث يصبح تمرير مثل هكذا قانون ملزم بالانسحاب، مسألة غير مستبعدة، إذا لم تكن مرجحة.
على أية حال فإن وصول الجدل في واشنطن إلى هذه النقطة يؤشر إلى اقتراب حصول تغييرات عسكرية أميركية في العراق، فالاحتلال بوضعه الحالي ارتفعت كلفته الداخلية، الاستطلاع الأميركي الأخير كشف عن أن غالبية الأميركيين تريد الانسحاب من العراق ـ 21% الآن و37% في غضون سنة على الأكثر ـ لن يقوى الرئيس بوش على الوقوف،
خاصة في عام انتخابات رئاسة، لوحده في وجه كونغرس ورأي عام ومعظم الإعلام؛ إذا تعثرت الخطة الأمنية. وحتى لو نجحت فإن إعادة الانتشار باتت بحكم تحصيل حاصل، الأمر الذي يعني أن لعبة شراء الوقت شارفت على نهايتها، وأن الكرة تتجه إلى ملعب العراقيين.
وزير الدفاع الأميركي أوضح أنه لو لم يحالف الخطة الأمنية النجاح المطلوب، فإنه لابد من «إبعاد القوات عن مواقع الأذى»، وحتى داخل البنتاغون أخذ هذا الاحتمال يكسب المزيد من دعم العسكريين، وليس خافياً أن مثل هذا التطور المرتقب، بقدر ما هو مرغوب كبداية للانسحاب وطي صفحة الاحتلال، بقدر ما ينطوي على اخطار كبيرة على العراق والعراقيين إذا بقيت الساحتان الأمنية والسياسية على حالهما الراهن. وبالذات السياسية؛ باعتبارها الأساس، مما يفرض وضع مشروع المصالحة الوطنية على نار حامية.
وربما كانت زيارة رئيس الحكومة العراقية إلى منطقة الأنبار أول من أمس، خطوة في هذا المجال، وأهميتها أنها جاءت في أعقاب مؤتمر بغداد، الذي أوحت أجواؤه بشيء من الحلحلة؛ سيما وأنه من المتوقع أن يتبعه مؤتمر آخر، وعلى مستوى أعلى خلال الشهر المقبل.
وإذا كان ذلك يصب في كسر الجليد الخارجي وهو ضروري؛ فإن الوقت قد حان للاهتمام بكسر الجليد الداخلي تمهيداً لتذويبه قبل إجراء أي تطور ميداني يقوم به الاحتلال على الأرض.