اختتم قبل أيام قليلة مؤتمر بغداد الدولي بعقد اجتماع مباشر أميركي بريطاني إيراني سوري تضمن حواراً حول آمن واستقرار العراق. وقد توصل المؤتمر إلى تشكيل ثلاث لجان: الأولى أمنية للتنسيق بين الدول المشاركة وتفعيل مقررات المؤتمرات السابقة من أجل مكافحة الإرهاب ومنع تسلل الإرهابيين إلى العراق.

أما الثانية فهي لجنة اللاجئين إلى دول الجوار من أجل متابعة شؤونهم وقضاياهم. أما الثالثة فستختص بتوريدات الطاقة والوقود إلى العراق.وقد أعلن العديد من المحللين والسياسيين والباحثين فشل المؤتمر في توفير الأمن والاستقرار للعراق لأسباب مختلفة، إلا أنه وبعد يوم من عقد مؤتمر بغداد الدولي أعرب الرئيس الأميركي جورج بوش عن رضاه عن نتائجه، داعياً الجانبين الإيراني والسوري إلى الالتزام بتعهداتهما في مساعدة العراق.

وخلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الكولومبي ألفارو أوريبي، علق الرئيس بوش على إعلان سوريا وإيران عزمهما مساعدة العراق في حل أزمته الأمنية قائلاً: «إننا نشيد بهذه التصريحات... عليهما الآن إثبات القول بالفعل»، موضحاً «إن كانتا تريدان حقاً المساهمة في إحلال الاستقرار في العراق، سيكون عليهما وقف تدفق الأسلحة ومنفذي العمليات الانتحارية إليه».

كما ذكر الرئيس بوش أن «هذا المؤتمر سيعطي الثقة الضرورية لمختلف الفرقاء في العراق لخوض عملية المصالحة الصعبة، وللحكومة لاتخاذ القرارات حتى تتم هذه المصالحة. إن نتائج هذا المؤتمر هي بالتالي إيجابية». أيضاً أكد من جهته هوشيار زيباري وزير خارجية العراق إن العراق يتطلع إلى مساعدته عن طريق الأفعال والإجراءات العملية وليس بالبيانات، محذراً من أن الإرهاب فيه لن يلحق الأذى بهذا البلد وحده، وإنما ستنتقل إلى جميع دول الجوار الإقليمية.

إذاً، المطلوب من دول الجوار احترام سيادة العراق ومساعدته على تحقيق الأمن والاستقرار بعد أن دمرته آلة الحرب الأميركية وسبب الاحتلال الأميركي للشعب العراقي الألم والمعاناة والخوف والإرهاب. والمطلوب من دول الجوار أن تقبل بالاحتلال الأميركي للعراق وتغيير نظام الحكم فيه بالرغم من رفض المجتمع الدولي لأسباب الحرب وأن تقبل ما يخططه الأميركيون في هذا البلد الذي دمره الاحتلال وسياسة الاحتلال وإرادة الاحتلال وليس دول الجوار وأنظمة دول الجوار وشعوب دول الجوار.

والمطلوب من دول الجوار أن تعمل لمصلحة الاحتلال وإن بطريقة غير مباشرة في العراق المحتل والمباح أمنه واقتصاده وعلمائه وتاريخه وحكمه وعلاقاته مع دول الجوار والعالم بأسره منذ من أربع سنوات. لقد دمرت الدولة العراقية ودمر النسيج الاجتماعي والسياسي العراقي وضربت جميع القيم المجتمعية وتخطى الوضع في العراق حرب العصابات ودخل إلى سيناريو الحرب الأهلية.

لقد فشلت استراتيجية الإدارة الأميركية في العراق بالرغم من انتصار الجيش الأميركي في احتلاله وإسقاط نظامه السابق ، بمعنى أن واشنطن فشلت سياسياً بشكل غير مسبوق في تاريخ الولايات المتحدة وهذا واضح على أرض الواقع في هذا البلد العربي المسلم الممزق، وأيضاً كانت أهم نتائج هذا الواقع المرير سقوط وزير الدفاع دونالد رامسفيلد والسفير جون بولتون والجنرال أبي زيد والجنرال كيسي وغيرهم من الذين سبقوهم منذ الأيام الأولى للاحتلال.

بل يجب القول أن الاستراتيجية الأميركية فشلت لسبب واضح للعيان وهو عدم وجود استراتيجية واضحة منذ وقبل بدء الاحتلال الأميركي للعراق. والسؤال الذي يجب أن يسأل للإدارة الأميركية هو عن الأهداف الحقيقية لاحتلال العراق لاسيما بعد أن تكشفت الحقائق أن إدارة الرئيس بوش كانت تدرك تماماً أن العراق كان خالياً من أسلحة الدمار الشامل والنظام العراقي كان بريئاً من أية علاقة مع القاعدة.

إذاً لماذا احتل الأميركيون العراق ولماذا لم يتم وضع استراتيجية مدروسة لعراق ما بعد نظام صدام حسين؟ أم هل هناك استراتيجية أميركية لم تتوضح معالمها حتى الآن وهي تتخطى حدود الدولة العراقية وترتكز بشكل أساسي على مبدأ الفوضى الخلاقة التي تحدثت عنها عناصر عديدة في الإدارة الأميركية الحالية؟

كما يجب أن نتذكر أن الأهداف المعلنة للإدارة الأميركية بعد أن تم احتلال العراق كانت تتحدث عن نشر الحريات وإرساء نظام ديمقراطي وبناء الدولة الحديثة لتصبح أنموذجاً يحتذى به في منطقة الشرق الأوسط الكبرى. بل أكثر من ذلك بدأت الإدارة الأميركية تبشر بالديمقراطية والازدهار الاقتصادي وحقوق الإنسان في الشرق الأوسط وأطلقت العديد من المشاريع الكبرى لهذا الغرض كان أخره «الشرق الأوسط الجديد» الذي أعلنته الوزيرة كوندوليزا رايس مباشرة بعد العدوان الإسرائيلي على لبنان.

لقد بدأت الإدارة الأميركية مؤخراً بإرسال بعض الإشارات الإيجابية لكل من سوريا وإيران حول إجراء محادثات ثنائية وهذا يتزامن مع الزيارة التي يقوم بها ممثل السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي إلى منطقة الشرق الأوسط وخاصة إلى سوريا.

ولكن إلى جانب هذا التطور نرى ونسمع عن تعزيز القوات الأميركية في العراق بالرغم من قناعة العسكريين الأميركيين من عدم جدوى ذلك بالنسبة للأوضاع في العراق. أيضاً هناك تعزيزات أميركية بحرية في الخليج العربي وتدريبات عسكرية أميركية في شواطئ ساحل البحر الأحمر وغيرها من المناطق التي فيها قواعد عسكرية أميركية.

وهذا يعني أن الإدارة الأميركية تسير في خطين متوازيين أحدهما سياسي والآخر عسكري أو ما يعرف بسياسة «العصا والجزرة» مع كل من سوريا وإيران ، لاسيما وأن العديد من المحللين السياسيين وخبراء الشرق الأوسط بدأوا يتحدثون عن احتمال توجيه ضربة عسكرية لإيران في الربيع المقبل في حال رفضت إيران الانصياع للمطلب الدولي في وقف عمليات تخصيب اليورانيوم.

وهذا إذا ما تم فإن الأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية في هذا الجزء من العالم ستتدهور ولا يستطيع أحد بمن فيهم الساسة في واشنطن وغيرها التنبؤ بنتائج الحرب العسكرية المحتملة. إن المستنقع العراقي أصبح يقلق كثيراً الإدارة الأميركية ودول الجوار والمجتمع الدولي سيما وأن بوادر الحل للمسألة العراقية ليست متوفرة على الأقل في المستقبل القريب.

إن الاحتلال الأميركي للعراق وما سببه من مآس للشعب العراقي أولاً وللشعب الأميركي الذي لا يؤيد سياسة الرئيس بوش ويتحمل أعباء هذا الاحتلال البغيض كان أيضاً سبباً مباشراً لتقوية وتعزيز الدور الإيراني في العراق الذي أصبح الأقوى تأثيراُ وتحكماً حتى من الاحتلال نفسه.

ولذلك يجب على الإدارة الأميركية أن تعيد حساباتها السياسية والعسكرية في العراق وأن تقتنع أن دور دول الجوار جميعاً إلى جانب مصر يصبح قوياً وموحداً ومؤثراً إذا أعلنت بشكل واضح رؤيتها للمرحلة المقبلة وحددت جدولاً زمنياً مناسباً للانسحاب الكامل من العراق، لأن البديل هو استمرار العنف في العراق ودخول المنطقة بأسرها في المجهول وفشل محتوم لسياسة البيت الأبيض.

كاتب وباحث سياسي

isam997@hotmail.com