في عودة أخرى إلى إثارة موضوع الهجمة الفكرية التي يتعرض لها أبناء الوطن في مختلف الفئات العمرية والمتأتية من فكر غريب على عادات وتقاليد الثقافة العربية والإسلامية، كما ذكرنا سابقاً وذكر آخرون أن هذا الفكر الغريب الذي يقود الهجمة ضد البنية التحتية الاجتماعية قد يصيب الفكر العربي والإسلامي بضرر كبير عن طريق التأثير على المعتقدات والتقاليد الإسلامية العربية إلى أخرى مختلفة عنها في الأخلاق والالتزام .
وهذه الهجمة إنما نابعة من صراع قديم أخذ يتصاعد في الآونة الأخيرة ويظهر على السطح ليصبح كما يقال صراع الحضارات، والتي تدخلت فيه عوامل سياسية ودينية وإقليمية لتتداخل فيما بينها وينتج عنها في رأينا صراع جهالات حيث إن كل طرف يجهل ما يريد الطرف الآخر، وقد تكون هذه الجهالة طبيعية متأتية من عدم المعرفة وقد تكون مقصودة، والغاية من الجهالتين هي هضم وإنهاء شخصية المقابل على أساس مسميات جديدة طفت على الساحة ومنها العولمة والديمقراطية والشفافية والحرية الشخصية .
ومن بين طيات هذا الصراع تظهر أفكار متطرفة من كلا الجانبين يحاولان الاصطياد في الماء العكر كما يقال ومنها ظهر هذا الفكر الهمجي التخريبي الذي تقوده مجموعة من المتطرفين غايتهم التأثير على عقل الإنسان المسلم والعربي بأفكار مخالفة للتقاليد والأخلاق الإسلامية.
ومن الطبيعي أن لهؤلاء أساليبهم الذكية في إغناء عملية التبديل الفكري وقد رصد الكثير من المفكرين والكتاب والمتتبعين صور هذه الأساليب الواضحة للعيان والأخرى خفية ولو تمت دراسة هذه الأساليب بمجملها وتحليلها فإننا سوف نكون أمام هجمة شرسة هدفها في النهاية التأثير على الأفكار الإسلامية المعتدلة والأخلاق العربية الإسلامية الأصيلة والانحراف بها.
ونحن هنا لسنا بصدد جمع وتحليل صور هذه الأساليب ذلك أن هناك الكثير من الكتاب والمفكرين والمختصين رصدوا هذه الأساليب وأشبعوها تحليلاً وظهرت نتائج مخيفة وتم وضع خطط نظرية لمواجهة هذه الهجمة الفكرية الشرسة وهنا نريد أن نركز على موضوع الخطط النظرية في مواجهة الهجمة الفكرية والتي لم تتجاوز في حقيقتها سوى كتابتها على الورق أسفاً وأكثر ما قدر لها من نجاح هو ظهورها على الصحف لفترات محدودة واختفت وكأنما أصابتها أعراض الهجمة الفكرية.
والسؤال الذي نتداوله في نقاشنا من هو المسؤول أو من هو الذي يجب أن يقود الهجمة الفكرية المضادة وما هي أسس هذا الدفاع وكيف يكون دعمه، ومن تحليل بسيط لمعرفة من هو المسؤول نرجع رجعة بسيطة إلى الهجمة الفكرية ونعرف من خلالها أنها موجهة إلى فئات من المجتمع عبر أجيال متعاقبة لسلخهم عن أفكارهم الأصيلة وتبنيهم لأفكار غريبة عن مجتمعاتهم والعمل على تنمية هذا الانسلاخ ليكون أدوات الهجمة الفكرية في مرحله أخرى وهكذا.
بمعنى أن هذه الهجمة كان يقودها وينفذها المتطرفون من الفكر الغربي أنفسهم موجهين سهامهم المسمومة إلى فكر المجتمع الإسلامي والعربي وبواسطة أدوات تقليدية، وكان المستهدفون هم الشباب العربي والإسلامي من المتواجدين على الساحة الغربية وان عددا قليلا وقع في هذه الشباك وأصبحوا أبواقا لهذه الهجمة فيما بعد.
أي أنهم أصبحوا الأدوات الجديدة للهجمة، بل إن الهجمة استهدفت العقول والسلوك للإنسان العربي والمسلم من خلال استغلال التكنولوجيا الحديثة عن طريق شبكات الانترنت والفضائيات وظهرت تسميات جديدة ظاهرها جيد ومطلوب وباطنها سيء ومنها الديمقراطية والحرية الشخصية، وهما أمران اقرهما الإسلام، إلا أن الهجمة تريد التمادي بتغيير معاني الكلمات من كلمات سامية إلى سيئة والمشكلة في هذا كله أن هناك أقلاما عربية وإسلامية مستفيدة من هذا الوضع ومن الهجمة وهي تطبل وتزمر لها وبذلك أصبح هذا التطور الاستراتيجي الثالث في الهجمة!
إذن المستهدف من الهجمة في محصلة ما قيل هو المجتمع فيكون المجتمع كله مسؤولا مسؤولية مباشرة لصد هذه الهجمة، وعلى المجتمعات العربية والإسلامية لفظ هذه الظاهرة السلبية ومحاربتها فكرياً من خلال تنظيم هجمة مضادة . ومن الطبيعي أن المجتمع فيه من المثقفين والإعلاميين والمفكرين والكتاب وفيه أدوات للإعلام والتي يجب أن تستغل بشكل واسع وقوي في مكافحة آفة ضارة بالمجتمع.
وذلك من خلال التثقيف والتحذير وإيجاد البديل للبرامج الإباحية والهدامة والتي تعرض على الفضائيات والتي أصبحت مصدر التهديد الأول الذي اخترق عقول أبنائنا وبيوتنا والحل هو التحصين وأخذ الجرعات من الإعلام المضاد لهذه الحملات الفكرية والمشاركة جميعاً في التصدي لهذه الظاهرة السلبية وفي مختلف البلدان العربية والإسلامية.
والسؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا الإعلام لا يتصدى لهذه الظاهرة بالحجم المطلوب؟ بل لم نجد أي أداة إعلامية سواء مقروءة أو مسموعة أو مرئية قد حددت خطة معينه لمجابهة هذه الهجمة الشرسة، وكل ما لمسناه من نشاط إعلامي هو التعامل مع مسؤول معين عندما يشير إلى هذه الظاهرة السلبية حيث نجد أن الإعلام يتفاعل مع التصريح للمسؤول الإعلامي والتي تقتصر على الصحافة فقط وبأقلام مستقلة ولمدة يوم وتنتهي زوبعة الفنجان وينتهي معها الموضوع.
إذن المطلوب من الإعلام وقفة صلبة قبل هذه الهجمة والعمل على تعريتها وكشفها وفي المقابل قيام المجتمع من خلال الإعلام ومنظمات المجتمع المدني في إثراء روح الثقافة الإسلامية والعربية بمحتواها الأخلاقي والمحافظة على التراث والتقاليد العربية الأصيلة والتي لا بديل عنها إذا ما أردنا مجتمعا متماسكا نظيفا من الجرائم وأمراض المجتمعات الغربية. بدءا من المحافظة على اللغة العربية التي أخذت في بعض البلدان العربية لا يتكلمون بها ويفضلوا التعلم بلغات أجنبية وهذا من تأثيرات الهجمة، فنرى كثيرا من فئات المجتمعات العربية أخذت تفقد صلتها باللغة العربية .
والتي تعتبر عنوان الثقافة والتقاليد العربية والإسلامية وهذا هو الهدف الاستراتيجي من الهجمة الفكرية وبذلك يمكن اختراق المجتمعات العربية والإسلامية بأفكار أخرى. وعلى المجتمع والإعلام أن يعي جيداً أن لغتنا العربية مستهدفة أولاً ويجب إنقاذها وترميم ما أصابها من ضرر من خلال الحث على تعلمها وتعلم قواعدها وأصولها وأهميتها في حياتنا اليومية مع الحث على تعلم الإنجليزية.
كما أن للتعليم دوره البارز في عملية صد الهجمة الفكرية التي تستهدف أبناءنا وبناتنا من خلال فتح آفاق التعليم في بلدانهم ومنع الهجرة الخارجية لغرض التعلم والتي لها منافع ومضار وقد اتضح أن مضارها أكثر من منافعها، وحسناً فعلت دولة الإمارات العربية المتحدة عند توجست هذه الظاهرة السلبية وعالجت الموضوع بحكمة من خلال فتح آفاق التعليم لأبنائها في داخل الدولة .
والتعامل معهم بشفافية ودعمهم علمياً وفكرياً من خلال تهيئة أفضل جامعات العالم لتفتح لها فروعاً في الدولة وتأسيس الجامعات والكليات الوطنية ودعمها فيكون آفاق التعليم المتطور الحديث قد تم الإتيان به إلى الدولة ليتعلم أبناؤها أفضل العلوم في أفضل الجامعات العالمية ضمن ظروف بيئية دراسية صحيحة وبذلك اطمأنت الدول ومعها مجتمع الإمارات على المستقبل العلمي والفكري لأبنائها وهذا نوع من التحصين الفكري المهدي من الدولة لأبنائها وبقي على المجتمع أن يقوم بدوره من خلال طرح صور أخرى للتحصين الفكري.
جامعة الشارقة
rashid.shabib@binshabib.ae
