المبادرة العربية التي صدرت عن قمة بيروت للزعماء العرب عام 2002 استندت في الاساس الى افكار طرحها العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود عندما كان وليا للعهد وكانت الغاية من طرح تلك الافكار حينئذ تسوية الصراع العربي - الاسرائيلي في وقت كانت الانتفاضة الفلسطينية الثانية في ذروتها وكان الهجوم العسكري الاسرائيلي في محاولة لقمع الانتفاضة قد اتسع نطاقه ليتحول الى عملية هجومية لم يسبق لها مثيل على الضفة الغربية عرفت باسم »الدرع الواقي« وذهب ضحيتها المئات من ابناء الشعب الفلسطيني ناشطين وغير ناشطين.
واذا كان لهذه المبادرة خلفيات دولية وانعكاسات لاحداث 11 ايلول 2001 فان ذلك لا يعني ان بنود المبادرة ليست رزمة متكاملة وغير قابلة للانتقاص او الحذف او التعديل.
ومنذ اعلان المبادرة وقفت اسرائيل منها موقف المعترض الرافض وتركز الرفض الاسرائيلي ليس فقط على البند المتعلق بحق اللاجئين في العودة الى ديارهم التي اخرجوا منها عامي 1948 و 1967 وانما كذلك على مبدأ انسحاب اسرائيل من كافة الاراضي التي احتلتها عام 1967 ، فقد رفضت الحكومة الاسرائيلية التي كانت آنذاك برئاسة ارئيل شارون هذا المبدأ لأنه يعني تفكيك المستوطنات التي اقيمت في الضفة الغربية والجولان علما بان الانسحاب من قطاع غزة ومستوطناته لم يكن واردا في حينه في ذهن شارون.
والآن تقول المصادر السياسية والاعلامية في اسرائيل ان رئيس وزرائها ايهود اولمرت اخذ يبدي بعض الاهتمام بما تصفه هذه المصادر بالمقترحات السعودية اي تلك البنود من المبادرة العربية التي لا تشمل حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة الى ديارهم في المناطق المحتلة عام 1948 وهو حق ترفضه اسرائيل بشكل قاطع وتعتبره ايذانا بانتهائها كدولة يهودية.
وهذا الرفض الاسرائيلي المطلق لحق العودة هو السبب الحقيقي في انهيار مبادرات السلام السابقة بما في ذلك طروحات كامب ديفيد عام 2000 وان كانت المفاوضات آنذاك برعاية الرئيس الاميركي السابق بيل كلينتون قد خطت خطوة قصيرة نحو توجه معين ومحدود للغاية، لحل قضية اللاجئين ثم تراجعت المواقف الاسرائيلية الى الوراء بعد ذلك.
والمؤسف ان ذاكرة القادة الاسرائيليين ضعيفة او قصيرة المدى ولا احد منهم يتذكر كما يبدو ان المطالب العربية قبل العام 1967 كانت تنصب على التحرير الكامل لفلسطين التاريخية من البحر الى النهر وكانت المفاوضات المباشرة مع العرب هي المطلب الاسرائيلي التعجيزي في ذلك الحين، لأن الدول العربية وضعت الحل العسكري نصب اعينها ، فهل يجهل القادة الاسرائيليون حجم ومدى التنازلات العربية التي قدمت بعد العام 1967 بحيث اصبحت متطلبات التسوية السلمية بل وتطبيع العلاقات العربية مع اسرائيل لا تزيد عن الانسحاب من الاراضي المحتلة قبل 40 عاما وحل قضية اللاجئين الفلسطينيين التي تشكل محور الصراع الفلسطيني - الاسرائيلي حلا عادلا يرتكز الى قرارات الشرعية الدولية، وعلى رأسها قرار الأمم المتحدة رقم 194؟.
قضية اللاجئين ناشئة في الاساس عن قيام اسرائيل ويتعين على الحكومة الاسرائيلية الاعتراف بمسؤوليتها عن هذه القضية وليس ان تتجاهلها وتدفن رأسها في رمال التعنت وحين تبدي اسرائيل المرونة الكافية لحل هذه القضية فان ذلك سيكون لمصلحة الجانبين معا ولصالح السلام العادل في المنطقة.
والمطلوب من اسرائيل ان تدرك ان حق العودة هو محور المبادرة العربية ولم يكن غائبا عن افكار العاهل السعودي التي شكلت نواة المبادرة العربية. فالمبادرة العربية بصيغتها الحالية رزمة متكاملة واحدة غير قابلة للتجزئة او التعديل او الحذف مهما كانت الضغوط الخارجية التي مورست او ستمارس على الدول العربية وقادتها خلال قمتهم الوشيكة في الرياض.