بعد ايام قليلة من اجتماع اليوم الواحد في بغداد الذي جمع بين الولايات المتحدة الاميركية والجمهورية الاسلامية الايرانية وسوريا ودول الجوار الاخرى للعراق، وهو ما يعتبر الى حد كبير طرقا لأبواب الحوار بين واشنطن وكل من طهران ودمشق ليس فقط حول ما يجري في العراق، ولكن ايضا حول عدد اخر من القضايا تتوق الاطراف الثلاثة الى التحاور بشأنها بغض النظر عن ما تعلنه من مواقف في هذه المناسبة او تلك.

ومن هنا تحديدا فإن مؤتمر بغداد كان بالفعل - وبغض النظر عن اي شيء اخر - خطوة ايجابية للعراق كما هو مامول وللأطراف الاخرى كذلك، خاصة اذا نجحت في الدخول الى طريق الحوار فيما بينها بشكل جاد وصادق.

وفي هذا الاطار فإنه في الوقت الذي اعلن فيه في طهران ان الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد يرغب في المشاركة في اجتماع مجلس الامن الدولي الذي سيبحث مسألة الملف النووي الايراني ومشروع القرار الذي تعد له الدول الست ( الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الامن وألمانيا) وذلك بهدف شرح ابعاد البرنامج النووي الايراني امام اعضاء مجلس الامن، وهي خطوة قد تحمل جوانب اخرى ولا سيما ان مشاركة الرئيس الايراني في اجتماعات الجمعية العامة للامم المتحدة في سبتمبر الماضي حظيت بتغطية إعلامية اميركية واسعة النطاق، ومن المؤكد ان مثل هذه المشاركة ستكون فرصة لطرح وجهات النظر الايرانية على اوسع نطاق داخل مجلس الامن وخارجه ايضا.

واذا كانت وزيرة الخارجية الاميركية كونداليزا رايس لم تستبعد المشاركة في لقاء على مستوى وزراء خارجية الدول التي شاركت في مؤتمر بغداد الاخير من المرجح ان يعقد في اسطنبول بتركيا الشهر المقبل، فإن ما يدعو الى ترجيح فرضية الدخول في حوار بين الولايات المتحدة وكل من ايران وسوريا في الفترة القادمة ان مؤشرات عدة تتراكم لتشير الى ذلك.

ولعل من ابرز هذه المؤشرات، انه في الوقت الذي لم تستبعد فيه رايس هذا الاحتمال، فإن الرئيس الايراني السابق محمد خاتمي اشار الى سقوط (التابو) المتعلق برفض الحوار مع واشنطن، كما دعا الى اهمية ان تعمل طهران من اجل الحيلولة دون صدور قرار جديد ضدها من مجلس الامن الدولي ودفع ثمن ذلك بشجاعة وبما يحافظ على مصالح ايران.

من جانب اخر فانه ليس مصادفة ابدا ان يسارع المتحدث باسم البيت الابيض الاميركي الى التصريح بأن واشنطن ستوافق - باعتبارها الدولة المضيفة لمقر الامم المتحدة - على زيارة الرئيس الايراني احمدي نجاد للمنظمة الدولية.

ومما له دلالة عميقة ان المتحدث الاميركي اشار وبوضوح شديد الى ان بلاده لا تعارض امتلاك ايرات للتقنية النووية للأغراض السلمية وان ما تعارضه هو محاولة طهران العمل لاستخدام برنامجها النووي السلمي لامتلاك قنبلة نووية.

وفي ضوء ذلك تحديدا، ولأن ايران تؤكد انها لا ترغب سوى في امتلاك التقنية النووية السلمية، فإنه توجد نقطة يمكن الانطلاق منها والبناء عليها وهي حق ايران في امتلاك تلك التكنولوجيا للأغراض السلمية وحق المجتمع الدولي في ضمان الا تتحول تلك التقنية الى اغراض عسكرية وحقه كذلك في الحصول على ضمانات لا تمانع الجمهورية الاسلامية الايرانية في تقديمها للمجتمع الدولي.

ومن هنا قد تنفتح جسور الحوار بين طهران وواشنطن اذا استطاع الجانبان تهيئة المناخ الملائم لذلك، وهنا تكتسب تصريحات الرئيس الايراني السابق محمد خاتمي اهمية كبيرة.

وعلى صعيد العلاقات الاميركية السورية فإن زيارة مساعدة وزيرة الخارجية الاميركية لدمشق وتأكيد سوريا على اهمية الحوار الشامل مع الولايات المتحدة قد تساهم بدورها في تهيئة المناخ لفتح حوار اوسع وهو ما سينعكس ايجابيا بالضرورة على كل الاطراف وفي مقدمتها العراق وهو ما تتطلع إليه شعوب المنطقة دون استثناء على أمل ان يقود ذلك الى دفعها نحو السلام والاستقرار الذي تفتقده منذ سنوات طويلة.