يعرف علماء البيئة التلوث على أنه «التغيير الكمي أو الكيفي في مكونات البيئة (البحرية أو الجوية أو الأرضية) بشكل يزيد هذا التغيير على استيعاب طاقة البيئة، منتجاً أضراراً بحياة الإنسان ومختلف ثرواته الحيوانية والزراعية.

والضرر ليس آنياً فقط، ذلك أن تلوث البيئة جريمة مستمرة تتواصل دوائر سلبياتها أجيالاً بعد أجيال، حاصدة أرواح البشر وثروات المجتمع عبر نشر الأمراض، وتلويث مصادر الحياة كالماء والهواء. من هنا كانت حكمة المشرّع في الإمارات حين جعل عقوبة الإعدام جزاء لمن تسول له نفسه استيراد أو جلب نفايات خطيرة للدولة بغرض التخلص منها بالدفن أو التخزين بأي صورة، وهي عقوبة حكيمة وعادلة وذات دلالة كبيرة!

ومع تزايد وتيرة الأصوات المطالبة بحماية البيئة في كل مكان من العالم، ومع تزايد هذا الصوت عندنا في الإمارات حول مناطق التلوث البيئي التي بدأت تتزايد رقعتها، خاصة شواطئ الإمارات ومناطق الجبال والوديان في المناطق الشرقية، حيث تكثر مصانع الأسمنت ومقالع الحجارة وكذلك مصافي البترول ومصانع الأسمدة وتحلية المياه.

في هذا الظرف نجد من يفكر وبكل «وقاحة» في استجلاب 23 حاوية نفايات للتخلص منها عندنا، وكأننا مركز تخليص نفايات لدول الغرب، فلا يكفي سرقة الثروات واستغلال النفط، بل يصل الأمر إلى حد أن يقع علينا أيضا مسؤولية تخليصهم من نفاياتهم!!

لقد أثبتت المختبرات العلمية حقيقة خطيرة متعلقة بهذه النفايات التي جلبها رجل أوروبي منذ مدة إلى أرض الإمارات في 23 حاوية للتخلص منها، هذه الحقيقة هي أنه لا يمكن لهذه النفايات البلاستيكية أن تتحلل في التربة أو بأي شكل بسهولة، كما إن إعادة تصنيعها مكلف جداً، والأوروبيون يعلمون هذا الأمر جيداً، والحمد لله أن تمت مصادرة الحاويات وتوقيفها في الميناء، وتحولت القضية إلى المحاكم بانتظار البت فيها. نقول الحمد لله، لأن هناك قانوناً صارماً وواضحاً، وهناك مسؤولون يقظون، ويبقى تطبيق القانون على مرتكبي هذه الجريمة البشعة!

هذا ليس ناقوس الخطر الوحيد، فأهالي المناطق الشرقية يرفعون أصواتهم بالشكوى من مخاطر المقالع وتفجيراتها المستمرة، ومن مخاطر مصانع الإسمنت والتلوث الذي تحدثه في الهواء مسببة أنواعاً خطيرة من أمراض الربو والحساسية المختلفة، إضافة لتلويث الفضاء بأصوات المتفجرات والديناميت الذي يشكل تلوثاً صوتياً ينعكس سلباً على الصحة النفسية لساكني المناطق القريبة من هذه المصانع والكسارات.

إن مصادر التلوث عندنا في معظم الخليج كثيرة جداً، ما جعل المنطقة من أكثر وأكبر المناطق البحرية تلوثاً في العالم، حيث تزيد نسب التلوث فيها 48 مرة على أية منطقة أخرى مشابهة في العالم.

على هذا الأساس فإن الشكوى التي رفعها أهالي منطقة القرية في الفجيرة، والمتعلقة بتحول منطقتهم إلى مكب لإفراغ مياه الصرف الصحي، شكوى يجب أن تصل إلى أعلى المستويات الرسمية، لأنها تهدد حياة أربعة آلاف مواطن يسكنون في تلك المنطقة، فالتلوث الناتج عن مياه الصرف الصحي يعمل على نشر تلوث عضوي مسبب للأمراض التي تنتقل عدواها بطرق مختلفة مباشرة أو غير مباشرة، وتعتبر الأمونيا من أهم الملوثات الخطيرة القاتلة التي تنتج عن التحلل في مياه المجاري.

إن التلوث أيَّا كان نوعه وحجمه حقيقة مزعجة جداً. يجب التصدي لها بقوة وحزم.. لأنّ في ذلك صوناً لحياة الناس والأجيال القادمة.

sultan@dmi.gov.ae