عقدت في دولة قطر ندوة بعنوان «الثقافة العربية والتحولات الاجتماعية» وقد شاركنا في هذه الندوة بورقة تساهم في معالجة هذا الموضوع، وهنا في هذا المقال ليس عرضاً لما طرحته الندوة من أوراق وحوارات فهذا شأن القائمين على تلك الندوة والداعين لها بيد أنه أردنا أن نلخص بعض الأفكار التي تناولناها في تلك الندوة شرحاً وتفصيلاً لأننا عرضناها ملخصة ومكثفة.

لقد كان التركيز على الردة الثقافية وأزمة التطور الحضاري في العالم العربي بالعودة إلى القبلية والطائفية والعشائرية بعد أن تجاوزنا هذه المرحلة بالتحديث المعاصر في مختلف مناحي حياتنا الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وكان ولا يزال السؤال المحوري، ما هي أسباب التردي في أوضاعنا العربية على كل المستويات؟

أولاً: فشل بناء النموذج الوطني القطري، وعدم اكتمال مشروع الدولة الوطنية. لقد كانت طموحات شعوبنا وقواها الوطنية الحصول على الاستقلال وإقامة كيانات وأنظمة وطنية، وإحداث تنمية وتطور في هذه الدول مستغلين الإمكانيات المتاحة لكل دولة عربية وبإقامة المشروعات المشتركة لتطوير دولنا، فكل دولة عربية لديها من الموارد والإمكانيات لبناء النموذج التنموي فالأمر يحتاج إلى إرادة وإدارة سليمة.

وعندما حدث الاستقلال بدأت مرحلة ما بعد الاستقلال بمشكلات ومعضلات جديدة قديمة بعضها يختلف عما كانت عليه المشكلات قبل الاستقلال، وافتقدنا إلى الفكر الاستراتيجي وإلى مشروع النهضة والبناء على مستوى كل قطر عربي وعلى مستوى العالم العربي، فكانت ولا تزال حالة الفشل في بناء النموذج الوطني القطري على الرغم من تحقيق بعض الإنجازات لكنها لا تشكل مشروعاً متكاملاً.

ولهذا رغم الإمكانيات ومخرجات التعليم نفتقد لهذا النموذج على الرغم من مرور فترة زمنية طويلة على حصول الدول العربية على استقلالها، وما لم يوجد النموذج القدوة فإن كل دولة عربية تعيش تجربة جديدة تحتمل الصواب والخطأ، ولا تستفيد من أخطاء تجارب الدول العربية الأخرى فتكررها، ولهذه الحالة في العموم أسباب عميقة في بنية الفكر والمجتمع في كل بلد عربي والعالم العربي بصورة عامة.

ثانياً: فشل المشروع القومي العربي، وتراجع التنوير العربي منذ بداية القرن العشرين لقد طرح المشروع القومي العربي على أسس الاستقلال واتحاد العرب، وتحقيق الحرية والسيطرة على موارد العالم العربي من قبل أنظمة وطنية ولصالح شعوبها. لكن المشروع القومي تعثر ثم سقط بعد نضال استمر حوالي ثلاثة أرباع القرن العشرين بينما نجح المشروع القومي الصهيوني في إقامة الوطن القومي وتوسعه وحمايته.

وجلب أعداد كبيرة من اليهود من مختلف دول العالم إلى فلسطين، فلماذا فشل المشروع القومي العربي، ولماذا نجح المشروع القومي الصهيوني؟ لا نستطيع في هذا المقال أن نجيب عن هذا السؤال الكبير والصعب ولكن دراسة التجربتين العربية والصهيونية قد تكشف حقيقة الأزمة الفكرية لدينا، فالحركة الصهيونية قد بنت استراتيجيتها على بناء الوقائع على الأرض وفق مراحل تطورية كل منها تقوم على ما سبقتها وتكون الأساس للمرحلة التي تأتي بعدها فترة الفكرة ثم الحركة ثم الدولة ثم حماية الدولة وتنميتها. ومشروعنا القومي لم يقم على أساس التفكير العلمي المنظم بل على اجتهادات وتجارب ومغامرات وردود أفعال وعدم الاستقرار السياسي.

وشاب مسيرة ما بعد الاستقلال هدراً للإمكانية، وفساداً إدارياً ومالياً وثقافة استهلاكية، ففشل مشروعنا القومي العربي ولم يتحقق الاستقلال الحقيقي ولا اتحاد دولنا لأن عقليتنا فهمت ومارست مقومات الأمة والمشترك بينها خطأ فلم تلجأ إلى بناء النماذج القطرية التنموية الديمقراطية لتكون أساساً لبناء عربي يتجاوز سلفية المقومات العاطفية الرومانسية التي سادت فكرنا عبر زمن طويل امتد لأكثر من نصف قرن من الاستقلال.

ويعود الأمر إلى تراجع حركة التنوير العربية فقد كان التنوير العربي في بدايات القرن العشرين وفي الخمسينات والستينات من ذلك القرن أكثر تطوراً من فكرنا المعاصر الذي يعاني مرارة التراجع بسيطرة فكر ماضوي تقليدي هدماً لكل تنوير وتحديث حقيقي.

ثالثاً: فشل الطبقة الوسطى في مهمتنا الوطنية منذ الاستقلال. الطبقة الوسطى التي نمت واتسع نطاقها، وتتكون من المتعلمين والمثقفين والموظفين والبورجوازية الصغيرة والتي كانت مؤهلة، أن تقود مجتمعاتنا نحو التنمية والديمقراطية قد فشلت في مهمتها لتحقيق ذلك الهدف، هذا إذا علمنا أن قيادات الأحزاب السياسية العربية والحكومات العربية بعد الاستقلال هي من هذه الطبقة. لقد راهن عليها المواطنون لبناء هذه المجتمعات ولتحقيق النهضة تنموياً وديمقراطياً بيد أنها فشلت في تلك المهمة وأكثر من ذلك إن هذه الطبقة نفسها تتعرض للتدمير المنظم من داخلها ومن خارجها.

رابعاً: أزمة المثقف العربي: المفارقة الغريبة هي أن المثقف العربي المعول عليه علاج أزمة الواقع العربي هو نفسه يعيش أزمة حقيقية في انتهازيته ووصوليته وتسطيحه الثقافي، وفي اضطراب فكره، ولم يبق من المثقفين الحقيقيين إلا نخبة النخبة، والمشكلة تكمن في أن المثقف لا يبادر إلى طرح أزمة الثقافة والمثقف في العالم العربي، ويحاول أن ينظر في تحليل مشكلات المجتمع وهو جزء منها فهو يتكلم ويكتب عن الحرية والديمقراطية ولا يمارسها، في حياته ومجال عمله. كما أن مجموعة ركبت موجة الثقافة بحكم مواقعها وأحوالها وقد أشرنا لهذه الشريحة من أشباه المثقفين في مقالة سابقة.

خامساً: تأثير الموروث الثقافي وعبء التاريخ على الحاضر. إن مجتمعاتنا تراثية تمجد البطولات الفردية، وتريد التحديث وتحاربه في آن، وتعيش حالة من اللاتوازن واللاعقلانية فنحن معنيون بالماضي أكثر من الحاضر والمستقبل، ويسيطر الأموات على الأحياء في فهمنا القاصر لبناء تقدمنا الحضاري.

سادساً: أمتنا تعيش صراعات عشائرية وطائفية في وقت كان يفترض أننا تجاوزنا هذه المرحلة منذ مئات السنين وذلك مؤشر على تخلفنا، والمشكلة أن ذلك الصراع قد تورط فيه مثقفون في عدد من دولنا العربية إن الكلام عن مشكلات هذه الأمة في وقتنا الحاضر يؤكد فشل الحداثة والتحديث وعودة لقيم المجتمع التقليدي.

كاتب كويتي