مثل كل مرة تلوح فيها إمكانية للعودة إلى طاولة التفاوض، تلجأ إسرائيل هذه الأيام إلى لغة التعجيز، فهي لا تقوى على الجهر برفض «عملية السلام»، لكنها تعمل على تخريبها والتملص منها، من خلال المطالبة بما تعرف سلفاً أنه متعذر المنال. عادة قديمة تمرست فيها إسرائيل وتُتقن لعبتها. فطالما نجحت في نسف فرص مؤاتية، بمثل هذه الوسيلة. تضع الشروط المسبقة غير القابلة للتنفيذ، عمداً، بهدف استخدامها كغطاء للتهرب من العودة إلى المفاوضات، وإذا تعذر التعجيز لجأت إلى التفجير، الذرائع جاهزة لديها وقائمة المطالب ـ العقد لا تنتهي.

اليوم؛ تعود من جديد إسرائيل إلى ممارسة هذه اللعبة ـ الحيلة. الأجواء تشهد حالة من الاسترخاء في الساحة الفلسطينية، حكومة وحدة وطنية على وشك الولادة، كذلك هي حال أجواء المنطقة، على الأقل في حالة «استراحة»، نتيجة الحركة الدبلوماسية المكثفة عشية القمة العربية؛ فضلاً عن الزيارات الأوروبية إلى المنطقة وانعقاد مؤتمر بغداد الأخير.

في ضوء ذلك ينتعش الحديث عن المبادرة العربية لعام 2002 وعن ضرورة الالتفات بجدية الآن إلى الملف الفلسطيني؛ باعتباره بوابة الاستقرار في المنطقة؛ وعلى أساس أن المناخات والظروف مؤاتية وأن الأوان قد حان لمثل هذه العودة. ترافق ذلك مع إشارات وتداولات تفيد بأن ثمة تحولاً في سياسة إدارة بوش، إزاء قضايا المنطقة، من العراق إلى فلسطين، مروراً بإيران وسوريا؛ باتجاه تغليب الحوار، وأن ذلك حصل بفعل رجحان كفة الوزيرة رايس ونظرتها البراغماتية في صياغة السياسة الخارجية الأميركية.

إسرائيل التقطت هذه الإشارات وسارعت إلى تفخيخ الطريق ووضع العصي في الدواليب، بينما رجع أولمرت في لقائه مع الرئيس الفلسطيني قبل يومين إلى نغمة التعجيز، من خلال اشتراطاته المسبقة المتعلقة بمطلب اعتراف الحكومة الفلسطينية بإسرائيل والإفراج عن الجندي الأسير قبل تشكيل الحكومة. أما حيال «المبادرة العربية» التي يتردد أنه قد يتكرر طرحها في القمة المقبلة، فقد حرص أولمرت على تغليف موقفه منها بالغموض والالتباس؛ من خلال الحديث عن «عناصر إيجابية» فيها وبما يعني ضمناً أن فيها أيضاً عناصر سلبية مطلوب إعادة النظر فيها.

وهي المهمة التي تركها لوزيرة خارجيته ليفني كي تتولى توضيحها في خطابها، أول من أمس، أمام مؤتمر اللوبي الإسرائيلي السنوي في واشنطن، حين قالت إن بعض بنود ـ عودة اللاجئين ـ المبادرة «يتناقض مع مبدأ قيام دولتين»! ليس ذلك فحسب، بل هي توجهت إلى الدول العربية بطلب «إقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل من دون انتظار تحقيق السلام في المنطقة»!

الرسالة واضحة: سلموا كل أوراقكم وبعدها نلتفت إلى إقامة السلام! نائب الرئيس الأميركي تشيني أكد للوزيرة وأمام المؤتمر ذاته أنه ليس «مؤيداً قوياً لإسرائيل» فحسب، بل انه «لم يكن لإسرائيل في أي وقت صديق في البيت الأبيض أفضل من جورج بوش». أيضاً الرسالة واضحة: لإسرائيل التمادي في لعبة التملص والتعجيز وواشنطن لن تتخلى عن احتضان ما تقوم به. طبعاً ليس في الأمر الجديد، لكنه يتطلب تعاملاً جديداً معه، مقدمته الإسراع في تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية وتوحيد الرد العربي والفلسطيني على التعجيز الإسرائيلي.