لايزال العالم يتذكر ذلك المشهد الذي هبط فيه الرئيس الأميركي الحالي جورج بوش، على ظهر إحدى حاملات الطائرات، مرتدياً بزة طيار مقاتل في سلاح الجو الأميركي ليعلن عن إنهاء عمليات الغزو العسكري للعراق. كان ذلك المشهد الذي جرى مسبقاً رسالة مثقلة بالمعاني موجهة إلى العالم وليس إلى الطرف المهزوم الذي لم يعد ولم تعد هناك أية مبررات لتوجيه الخطاب إليه، فهبوط الرئيس الأميركي في طائرة مقاتلة على ظهر إحدى حاملات الطائرات ليعلن توقف العمليات العسكرية لحرب أعلنها رغم انف المجتمع الدولي كان يعني ان الولايات المتحدة الأميركية:
أولاً - ليست مقيدة ماديا ولا أخلاقيا بقواعد القانون الدولي الآمرة المنصوص عليها صراحة في ميثاق الأمم المتحدة والتي كانت القوى الدولية في السابق بما فيها القوى الكبرى تحاول الالتفاف حولها وعدم احتقارها وخرقها مباشرة لكي لا تبدو للمجتمع الدولي قوة مارقة عن الشرعة الدولية، ولكن بالنسبة للولايات المتحدة لم تعد الشرعة الدولية ملزمة لها، بل هي التي غدت مصدرا لهذه الشرعة وهى التي تضفي على الدول الأوصاف والألقاب وتحدد من هم المارقون والطيبون ومن هم الأشرار والملائكة.
ثانياً - لم تعد دبلوماسية التفاوض ذات أولوية في سياسة الولايات المتحدة الأميركية ، فلم تعد الحرب استمرارا للدبلوماسية السياسية بوسائل أخرى، بل غدت الدبلوماسية مجرد تحذير أو إنذار لا يتوقع بعده الطرف الآخر سوى الضربة التي تصرعه، فقد بدت تكاليف استخدام القوة صبيحة احتلال العراق اقل تكلفة في نظر صناع القرار الأميركي من ضياع الوقت والهيبة بحثا عن حلول دبلوماسية.
فالولايات المتحدة أصبحت بعد تفردها بالنظام الدولي قوة رهيبة لا ينبغي لها ان تتبع سياسة الجدل والتفاوض التي قد تظهرها في نظر البعض بمظهر المتردد او غير الواثق من قوته، بل الأجدر بها ان تعتمد سياسة الاملاءات والقوة العارية اذا أرادت في البداية ان تثبت أركان هيبتها كقوة عظمى وحيدة في عالم لايزال يعيش في بقايا الثنائية القطبية وما كان يصاحبها من هامش حركة أمام الوحدات الصغرى في النظام الدولي، إلى جانب التردد والحسابات الدقيقة في استخدام القوة والبحث عن مبررات عند التفكير في استخدامها.
كل هذه المعاني كانت حاضرة وبادية لكل من يريد ان يرى ويتعظ من خلال ذلك المشهد الأسطوري الذي ظهر فيه رئيس الولايات المتحدة الأميركية في بزة طيار مقاتل كأحد فرسان القرون الوسطى الفاتحين، وهو يخاطب العالم من على ظهر مدينة عائمة فوق لجة الماء ولم يكن احد ممن كانوا يشاهدون الحدث يشك في ان كل ما يراه أمامهم جرى إعداده مسبقا بدقة.
ولكن لم يكن هناك يقين بأن كل من يتفوه به الرئيس هو أيضا متفق عليه سلفا ام انه متروك لتلقائيته التي عادة ما سببت لإدارته والمتحدثين باسم البيت الأبيض حرجا كثيرا بل اعترف هو نفسه بأن الكثيرين يتهمونه بالتسرع في كلامه ولكن في ذلك اليوم المتوج بالنصر لم يكن الرئيس بوش متسرعا فقط في حكمه على الأشياء؛ بل ذهب في كلامه إلى ما لا يذهب إليه عادة المنتصرون وهم في قمة نصرهم، فقد دفعت نشوة النصر بالرئيس بوش إلى ان يوجه تحديا إلى الطرف المهزوم .
وذلك من خلال إجابته على سؤال كان يدور لحظتها في ذهنه حول ما اذا كانت ستظهر مقاومة للاحتلال الأميركي في العراق ام ان كل شيء قد انتهى بوصول أول دبابة أميركية إلى ساحة فندق الرشيد ببغداد.كان فحوى إجابة الرئيس بوش على السؤال المفترض هو إعلان تحديه لكل من يفكرون في مقاومة قوات التحرير الأميركية سواء من داخل العراق او من خارجه، ان يأتوا ويظهروا ما لديهم.
لم يكن بالطبع في حاجة لأن يضيف بأن المارينز في انتظارهم ونظرا لأن مثل هذا الخطاب ليس معتادا في تاريخ المنتصرين، فقد اجتهد البعض والكثير منهم عرب، بأن ذلك كان المقصود به هو استفزاز كل من تعتبرهم الولايات المتحدة أعداءها من الإرهابيين والمتعصبين، ليأتوا جميعهم إلى العراق فيتم القضاء عليهم مرة واحدة والى الأبد، ولكن الاحتلال كواقعة مادية كان كافيا دون اى تحريض شفهي لاستفزاز كل من لديه القدرة والرغبة في المقاومة.
ولهذا فلم يتأخر رد الفعل، فمنذ وصول الدبابات الأميركية إلى وسط بغداد بدأت عمليات المقاومة وحيث كانت كاميرات مراسلي المحطات الفضائية تتابع تغلغل وانتشار قوات المارينز خلال شوارع المدينة في الأيام الأولى للغزو فبدا مشهد الجنود وهم يهرعون من شارع إلى آخر ليردوا على إطلاق النار الكثيف، وكأنه مجرد تمشيط وتصفية لبعض الجيوب المتبقية من جماعات الأغبياء الذين لايزالون يعتقدون ان النظام لم يسقط بعد .
ولاسيما ان ذلك كان يجرى بالتوازي مع مشاهد أخرى غاية في الأسى، كان الأميركيون حريصين على جعلها الصورة المعبرة عن الواقع الذي وجدوه أمامهم في العراق، حيث انتشرت عصابات السلب والنهب والسرقة لكل المؤسسات العامة دون اي رادع، فأتاح هذا الوضع من الفوضى والعبث الفرصة أمام المحررين القادمين من وراء البحر ليمدوا أيديهم هم أيضا إلى الأشياء الثمينة في المتاحف والقصور، التي من المفترض انها باتت تحت حمايتهم بعد سقوط السلطة التي كانت تقوم بتلك المهمة.
في هذه المعمعة من مشاهد استعراض القوة المخيفة وسط العبث والفوضى، لم يكن ما يجرى على هامشها من صدامات متفرقة مع جنود الاحتلال ليلفت نظر احد على انه بدايات مقاومة وليس مجرد بقايا تشنجات نظام منهار، ولعل هذا الانطباع كان سائدا أيضا لدى صناع القرار الأميركي والقادة الميدانيين، فقد كانت المقاومة هي المفاجأة الكبرى سواء بالنسبة للولايات المتحدة .
وبالنسبة للأنظمة السياسية العربية، فلم يكن احد ينتظر ظهور مقاومة بمثل هذه الشراسة وعلى هذا القدر من طول النفس والانتظام والاستمرارية، فالكثيرون كانوا يظنون، بما في ذلك معظم المحللين العرب بأن ما يجرى ما هو الا ردة فعل قصيرة النفس سرعان ما تختفي، فالعراق ليس فيتنام وجيرانه ليسوا الصين وليس خلفه الاتحاد السوفييتي.
كاتب ليبي - جامعة بنغازي