الأحد الماضي (11 مارس) كان يوما غير كل الأيام التي سبقته في تاريخ موريتانيا الحديث، وربما في كل تاريخها المعروف وغير المعروف. ليس لأن تاريخ هذا البلد، بالنسبة لمن يعرفونه، لم يشهد من قبل أياما تاريخية فارقة، على الأقل منذ أيام المرابطين الأوائل وفي الحقب التالية لحقبة المرابطين.

غير انه لم يسبق للموريتانيين، في ما هو معلوم من تاريخهم، أن ظهروا بمثل هذا المستوى من النضج السياسي والأخلاقي الذي شاهده وشهد عليه العالم أجمع، رغم تباين مواقفهم وتوجهاتهم نحو انتخاب رئيس للجمهورية، في سابقة لم يعتادوها على هذا النحو من تعدد الخيارات وحرية الاختيار، ومن حياد السلطات وحرصها على إنجاح المسار الذي ساهمت هي نفسها في تحديده ووضع قواعده، وأجمع عليه كل الموريتانيين في توافق نادر وبقدر عالٍ من الوطنية والمسؤولية.

وككل تجربة إنسانية، لم تكن هذه التجربة خالية من بعض الشوائب والنواقص، لكن المحصلة الإجمالية فاقت كل التوقعات وتغلبت على كثير من العوائق والتحديات وسوء الظن، وربما تمني الفشل!

الأحد الأغر ميلاد جديد لموريتانيا الدولة المؤسساتية التي تحترم مواطنيها وتلتزم بما يمليه الدستور وتحدده القوانين، وهو ميلاد جديد للشعب الموريتاني الذي أثبت انه أكثر وعياً وأسمى خلقاً من كل الأصوات والتوقعات المتشائمة، وأكد قدرته على تحمل مسؤولياته الوطنية إذا ما أتيحت له الفرصة المناسبة ووجد القيادة النابعة منه والمدركة لمعدنه الأصيل وقدراته الكامنة.

فقد سارت الحملة الانتخابية على مدى أسبوعين دون أي حوادث خارجة عن المألوف أو مناقضة لروح التسامح والحرية المسؤولة، وتم الاقتراع بيسر وسهولة وانضباط رغم الإقبال الكبير (أكثر من 70%) وحجم طوابير الناخبين الممتدة طوال ساعات النهار.

لقد مرت موريتانيا بفترات طويلة من الاستبداد وعدم الاستقرار الذي بدد ثرواتها وحرم شعبها من أن يلتقط أنفاسه ليعيد بناء بلده، وفي كل مرحلة كانت القوى الوطنية تعمل باستمرار من اجل تصحيح المسار وإصلاح الأوضاع المختلة والمتردية، لكن الهدم ظل على الدوام أكثر يسراً من البناء وأشد حضورا وتأثيراً.

واستمرت المعركة سجالا، وكل يزرع ما حصده في النهاية. وهكذا لحق الهدم والإبعاد بمن سعى إليه واختاره، بينما كسب الشعب وقواه الوطنية الحية ثمار جهود مضنية استمرت عقودا سقط فيها العديد من الضحايا وأهدر الكثير من الموارد والقدرات.

وبالتأكيد ما كان لذلك أن يتحقق لولا تلاقي إرادات وطنية، عسكرية ومدنية، أجمعت على الانحياز لوطنها وشعبها، وقررت أن تكون عوامل بناء لا معاول هدم. فجاء الثالث من أغسطس 2005 ليضع حدا فاصلا بين ماضي النهب والسلب، ليس فقط لموارد الشعب وقدراته وإنما لقراراته وخياراته كذلك، وبين حاضر يطبعه التشاور دون تعسف أو إقصاء، وصولا إلى قرارات تحظى بالإجماع وتطلق قدرات العمل والإبداع نحو مستقبل واعد يشارك في بنائه الجميع ويشترك الكل في ثماره التي هلت بشائرها، وموعد الحصاد نراه قريباً.

لكن الحمل سيكون ثقيلا والمسؤولية عظيمة على من سيستلم الراية ويقود المسيرة خلال السنوات المقبلة. فالمرحلة التأسيسية التي آتت أكلها وحققت أهدافها وأوشكت على النهاية، لا بد أن تتلوها مرحلة ترسخ القواعد وتستكمل البناء، بروح وطنية عالية ورؤية إبداعية ونهج عملي سليم.

إن الشعب الموريتاني الذي أظهر قدرة فائقة على الصبر والتحمل، وأثبت جدارته بالحرية والممارسة الديمقراطية الواعية، قد أكد بوضوح انه يريد طي صفحة الماضي الكئيب والأليم، وأن همه وهدفه هو التطلع إلى المستقبل الذي يليق به وبالتضحيات الجسيمة التي قدمها للوطن بإيثار وعن طيب خاطر.

لقد حسم الشوط الأول معظم الخيارات التي يريدها الموريتانيون، وقلص المنافسة بين خيارين أحدهما سيكون الرئيس المقبل لموريتانيا ولكل الموريتانيين خلال السنوات الخمس المقبلة. لكن حساب الشعب لمن يختاره سيكون عسيرا بعد انقضاء هذه المدة، ولن يكون حساب التاريخ اقل قسوة إذا كان الرئيس المقبل دون مستوى التحديات والطموحات.

وبغض النظر عن تفاصيل النتائج ومن سيحظى بالاختيار الشعبي في النهاية، فان إجراء انتخابات رئاسية نزيهة كما ظهر من الشوط الأول، وتسليم السلطة للرئيس المنتخب على النحو المقرر، مكسب تاريخي لا شك فيه للشعب الموريتاني بكل أطيافه وشرائحه، وهو إنجاز حضاري بكل المقاييس يحسب للمجلس العسكري وقيادته وللمؤسسة العسكرية الموريتانية بصفة عامة ويستحق بجدارة كل التقدير والإعجاب.