يبدو أنّ الحديث عن لغتنا العربية ذو شجون، فقد تفاعل كثير من القراء مع مقال الأسبوع الماضي حول تهميش اللغة العربية ومحاولة إقصائها عن ميادين الحياة العلمية والعملية. وعكست الاتصالات التي وردتني من بعض المهتمين بهذه القضية شعورا عاما بالاستياء مما وجدته يشبه الظاهرة وأنا كنت أحسبه مثالا وحيدا لا يقاس عليه.

وقد أشار عليّ بعضهم بأن أكمل الحديث في هذا الشأن، وأبدوا بعض الملاحظات حول ما يرونه أو يسمعونه من قرارات تدعم استخدام اللغة الإنجليزية في المراسلات الرسمية في كثير من أهم وأكبر مؤسسات الدولة، وقد تساءل بعضهم متألما: إلى أين قد يقودنا هذا الانسياق الأعمى لإفساح المجال للغة غريبة أن تسطّر بها مراسلاتنا الرسمية في مؤسسات حكومية تمثل الدولة التي ينص دستورها على أنّ اللغة الرسمية فيها هي اللغة العربية؟

وكثيرون رددوا على مسامعي عبارات من مثل ازدواجية الرؤية، وانفصام المجتمع، فكل التصريحات الرسمية التي نسمعها تدعو إلى الاهتمام باللغة العربية والهوية الوطنية في حين نرى أنّ الأفعال في أرض الواقع تنحو نحو تجاهل العربية تجاهلا شبه تامّ، وفرض اللغة الإنجليزية فرضا قسريا في كثير من المواقع التي يستنكر فيها أن تكون لغة التعامل لغة غير لغتنا الأم.

وقد أشار بعض القراء إلى موقف الأسر وأولياء الأمور الذين أصبحوا يتبارون في التباهي والتفاخر بعجمة أبنائهم والتواء ألسنتهم، واضعين ذلك مقياسا لسبقهم وتفوقهم الذي سيضمن لهم في المستقبل مكانا لائقا بارزا في سوق العمل، ويجعل أفئدة الأمهات والآباء واحة غناء للزهو والفخر والرضا عن الذات لأنهم أدوا أمانة رعاية أبنائهم، وتربيتهم التربية التي تكفل لهم حياة كريمة، وتضعهم في المكان الأمثل للانطلاق نحو أفق مستقبلي بلا حدود ولا قيود.

ومع أننا، حين نتحدث عن أهمية اللغة الأم في تكوين الإنسان والمجتمع، وفي تعزيز الانتماء، وربط الأجيال الشابة بماضيها وتاريخها وعقيدتها، لا نقلل من أهمية اللغة الثانية أو الثالثة، بل نرى ذلك ضرورة وحاجة علمية وعملية تفتح أمام الشباب آفاق التعرف على الآخر، والتواصل معه في ميادين العلم والمعرفة والأدب والثقافة بشتى أشكالها وتجلياتها.

ولكن الأشياء لها موازينها التي يجب أن توضع في الاعتبار، فاختلال الميزان في جانب من جوانب الحياة يؤدي بالضرورة إلى اختلاله في الجوانب الأخرى، فالأشياء لا تنفصل عن بعضها البعض. وخير دليل على ذلك، ما نسمعه من بعض الشابات ممن أصبحت اللغة الإنجليزية لسانه ومقاله وحاله، فهن يصرحن بأنهن أصبحن لا يملن إلى العربية، ولا يجدن فيها ما يشجعهن على استخدامها، ولولا اضطرارهن للتواصل مع الأهل لما تكلمن بها، وهذا أمر أشارت إليه الكاتبة السعد المنهالي في عمودها في جريدة الاتحاد قبل أيام.

وقد ألحّ بعض القراء على أن أركز على ذكر الحلول لمثل هذه المشكلة المعقدة، فكنت خلال الأيام السابقة أقلب التفكير في هذا الأمر محاولة استجلاء بعض النقاط التي قد تصلح أن تكون حلولا منطقية عملية تساعدنا على أن نضع لغتنا في مكانها اللائق بها، وتبعدنا عن الظهور بمظهر من يستجدي رضا الآخر بكل ما أوتي من قوة، وبكل ما يتاح أمامه من وسائل، حتى وإن كان ذلك بليّ اللسان العربي المبين، وطمس معالم لغة تمتد في الزمان امتدادا يجعلها أطول اللغات عمرا، وأكثرها غنى وفخرا.

وحدث أن ذهبت في يوم الخميس الموافق 8/3 إلى إمارة الفجيرة للمشاركة في لقاء نظمه توجيه اللغة العربية هناك حول التحديات الحضارية التي تواجه العربية، وواجب المعلمين ومؤسسات المجتمع تجاهها، وكانت مداخلتي الرابعة من مجموع خمس مداخلات، فجلست أستمع إلى الأساتذة الكرام الذين يسبقونني، وكنت كلما أصغيت وأنصتّ يزداد ألمي وتوجعي، وأخذت الأفكار تنهمر على رأسي انهمار المطر الوابل.

وكنت أتساءل أنى لنا أن نقترح حلولا لمشكلة العربية ونحن منذ عشرات السنين نردد على المسامع كلاما قاله من قبلنا وسمعناه، حتى حفظناه، وها نحن نقوله ونعيده، لم نغير في مضمونه شيئا، إلا بتقديم وتأخير. فهل يعقل ونحن في القرن الحادي والعشرين، في ظل كل هذه الضغوط السياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية، أنْ نلتقي لنقول كلاما سطّرته الكتب منذ عشرات السنين؟ كلاما نظريا مكرورا، أشبه ما يكون بخطب الجمعة، لا يقدم تصورات حديثة لمشكلات العربية.

ولا تطبيقات عملية ملموسة؟ وتذكرت حينها حوارات دارت بيني وبين بعض الأمهات أو المعلمات أو بعض المهتمين بالشأن التعليمي في الدولة، تذكرت كيف أنّ هؤلاء كانوا يتساءلون بحرقة أحيانا، وبسخرية أحيانا أخرى عن السبب الذي يجعل أطفالهم يبتهجون ويتفاعلون في حصص اللغة الإنجليزية، وينطفئون ويذبلون في حصص اللغة العربية، وأنّ هذا هو حالهم في البيت أيضا، فكل ما يكون بالإنجليزية يقبلون عليه إقبال المحب، وكل ما يكون بالعربية يفرون منه فرار المبغض الكاره.

إنني على يقين أنّ مشكلة اللغة ـ أي لغة ـ لا يمكن أن يكون حلها إلا بقرار سياسي، يدعمها دعما قويا، ويوجه إلى التخطيط إلى تمكينها في النفوس والعقول، وإلى تثبيتها في الاستعمال الرسمي واليومي والعلمي والتعليمي. وهذا أمر سارت عليه كثير من الأمم والدول، من خلال علم له أصوله ومبادئه ومناهجه يعرف بعلم التخطيط اللغوي.

ولكنّ ذلك لا يعفينا من كثير من المسؤولية، فإذا كانت العربية تعيش مرحلة تحد هي الأعظم في تاريخها، مهددة من قبل كثير من العوامل المتداخلة الكثيرة، فإنّ ما تلقاه من أبنائها - أهل العربية- يصب هو الآخر في معاناتها. فما زال معظم العاملين في تعليم العربية ينهجون نهجا تقليديا جامدا في تعليمها، وهم يميلون إلى رفض التجديد، متمسكين بمقولة ما ترك الأول للآخر شيئا، على الرغم من أنّ الأول ضرب مثلا مشرقا في الاجتهاد والعمل والإبداع في التأليف والتعليم. فما لنا نحن اليوم نرتاح إلى أن نستل من أوراقنا القديمة سطورا وصفحات ونرددها في كل محفل وكل لقاء؟

إنّ المرء ليصاب بالدهشة حين يرى كيف يخدم الآخرون لغتهم، وكيف يجتهدون اجتهادا عزّ له نظير في تقديمها لأبنائهم تقديما شائقا جذابا، فيه الكثير من التجديد والتنويع والإبداع الذي لا يقف عند حد، ولا يكتفي ولا يقنع، معتمدين في ذلك على دراسات علمية منهجية دقيقة، وعلى تطبيقات كثيرة منوعة، في حين ما زلنا نحن العرب نراوح مكاننا.

ولا نحاول أن نغير من طريقة تفكيرنا بالنظر إلى لغتنا نظرة تتعامل معها في سياق ثقافي جديد، وضمن متطلبات علمية وتعليمية مختلفة كل الاختلاف عن متطلبات تعليم العربية قبل عشرات السنين. لماذا يمضي الزمن خارج دائرة العربية سريعا، ويقف داخل حدودها ساكنا بلا حراك؟

إنني هنا أخاطب أهل العربية ممن يتحملون مسؤولية تعليمها إلى أبنائنا وبناتنا.. لا يكفي فقط أن نستعيد الذكريات الجميلة ملتفتين إلى الماضي العريق، لابد أن نولي وجوهنا شطر المستقبل، وأن نصنع حاضرا نفخر به حين يمضي الزمن بنا بعيدا. إن العربية لا تحتاج أن نقف نتباكى عليها، ونذكر الناس بأمجادها، وعظمتها وخلودها. إنها بحاجة إلى من يصنع لها مجدا جديدا، ويسطر بجهده وإخلاصه وتفانيه إنجازات حقيقية تخدمها، وتعيد أبناءها إلى حياضها راغبين محبين.

جامعة الإمارات