من قام بعملية التحضير لتفجيرات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن؟

سنقول إنه تساؤل ما أسهل الإجابة عنه. والإجابة هي: إنهم بالطبع عدد من قيادات تنظيم «القاعدة»، لكن هذه الإجابة سياسية، بينما المطلوب هو إجابة قانونية.

حتى هذه اللحظة.. ومنذ ضرب مركز التجارة العالمي في نيويورك ومبنى البنتاغون في واشنطن قبل نحو خمس سنوات ونصف السنة لم يقدم أي من قيادات «القاعدة» أو كوادرها إلى محكمة سوى شخص واحد لم يوجه إليه اتهام بالمشاركة المباشرة سواء على مستوى التدبير أو التنفيذ، غاية ما قيل عنه إنه كان من المرتب له أن يكون أحد أعضاء فرق التنفيذ لولا أنه كان حينئذ معتقلاً بتهمة ضئيلة تتعلق بمخالفات قوانين الهجرة والإقامة.

حالياً يقبع في معسكر غوانتانامو بضعة أشخاص تقول وزارة الدفاع الأميركية إنهم من قيادات «القاعدة» وأن الوزارة قررت التحرك أخيراً بعد بقائهم رهن الاعتقال لمدى سنين لتقرير مصيرهم القانوني، وبين هؤلاء اثنان ـ خالد الشيخ محمد ورمزي بن الشيبة ـ تقول السلطات العسكرية الأميركية إنهما شاركا في التحضير لتفجيرات نيويورك وواشنطن. والسؤال المطروح هو: هل لدى هذه السلطات أدلة دامغة لإدانتهما يمكن أن تصمد أمام محكمة عادلة ونزيهة؟

يبدو أن الإجابة بالنفي، فلو كانت وزارة الدفاع تملك مثل هذه الأدلة لما تأخرت في تقديمها إلى القضاء المدني الأميركي، علماً بأنهما مدنيان. ثم إن الوضع القانوني لهذين الشخصين حتى الآن هو «اشتباه»، لأن ما لدى السلطات العسكرية من «أدلة» لا يسمح بتوجيه اتهام.

لقد تسلم الجيش الأميركي هذين الشخصين من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية بعد أن اعتقلهما في باكستان. واحتجزا داخل سفينة حربية في مياه دولية. ثم نقلا إلى معسكر غوانتانامو الذي أقامه ويقوم على إدارته الجيش الأميركي، والآن من أجل تقرير مصيرهما القانوني، وهما ليسا عسكريين، فإنهما سيقدمان إلى محكمة تحقيق يتولى دور القضاء والادعاء فيها ضباط جيش.

الجيش كما هو معلوم هو أحد أدوات السلطة التنفيذية في الولايات المتحدة وليس هيئة مستقلة، وهو إذن في هذه الحالة الخصم والحكم في آن، لكن هذه العسكرة لها مغزى أعمق.. فهي تعني أن الجيش يرفض تقديم هذين المدنيين إلى محكمة مدنية لأن ضعف الأدلة قد يؤدي إلى حكم براءة.

قوانين محكمة التحقيق العسكرية التي سيقدم إليها خالد الشيخ وابن الشيبة تفضح نفسها بنفسها. فأولاً ليس مسموحاً للصحافيين بحضور الجلسات. وربما يجنح جنرالات المحكمة بأن مثل هذا المنع في المحاكمات الحساسة جائز حتى في المحاكم المدنية، ولكن ماذا عن منع محامي المتهمين أيضاً من الحضور؟ بل حتى زيارات المحامين إلى موكليهم داخل المعتقل محظورة.

المحكمة تحرص على هذه السرية المشددة ليس فقط لعدم توفر أدلة دامغة وإنما أيضاً للسماح بأدلة ملفقة من ناحية ضمان ألا يسمع العالم الخارجي ما قد يقدمه «المتهمان» من روايات التعذيب. ومن الطريف أن مباشرة المحكمة عملها تتزامن مع صدور التقرير السنوي الأميركي عن أوضاع حقوق الإنسان في العالم.