عسكريان عربيان قاما بانقلابين في السودان، وموريتانيا، لا بهدف الاستيلاء على السلطة ونياشينها، وبريقها الإعلامي، والاجتماعي، ولكن لإنقاذ بلديهما من سطوة الحكومات المطلقة الصلاحيات إلى حد امتهان الإنسان، والتلاعب بالمال العام.

(سوار الذهب) نموذج نادر بالعالم الثالث كله، أسقط نظاماً فاسداً برغبة نقل السلطة إلى حكومة مدنية ثم اعتزل النشاط العسكري، والسياسي، لكن نموذجه الذي تخيله لم يتحقق، إذ صاحب نهاية سلطته تكرار التجارب القديمة، لكن هذه المرة بالمزيد من الانقسامات الداخلية التي تحتاج إلى مراجعة ووقفة موضوعية، قبل أن تتكرر نماذج حروب لبنان، والعراق.

(ولد محمد الفال) قام بنفس الدور في موريتانيا، وقد هيأ مواطنيه لنقلة جديدة وقد تمت الانتخابات التي تُعد بالعرف العربي السائد أكثر من مثالية، في بلد تنتشر فيه القبلية، والفقر، والأمية، ومع ذلك جاءت الاستعدادات، والقبول على الانتخابات ممتازاً.

لأن الحافز، أعطى للمواطن أملاً بالتحرر من السلطة الجائرة، مع أن (ولد الفال) لم يهدر دم أحد، أو يقوم بسجنه، فقد ضرب نفس المثل المميز حين قدم ورقة انتخابه لأحد الأشخاص، رافضاً الترشيح، ومعتزلاً امتيازات الحكم والوظيفة.

وهو بهذا السلوك يعطينا دلالة أن الخيّرين المصلحين في الثكنات العسكرية ليسو أشراراً بناء على سوابق حكومات تعرفنا على سلوكها وأسلوبها بشكل يغاير أي نمط للحكم، إلا ببعض دول افريقيا وأمريكا اللاتينية من تلك الحكومات العسكرية..

العبرة ليست بنجاح الانتخابات لتتوسع دائرة الحكم في موريتانيا على قواعد الحكومات المتقدمة، وإنما بعدم إجهاض التجربة، لأننا أمام نماذج عربية جاءت الأحزاب والجيوش لتعيد دورة حكم السلطة المطلقة، إما بالعسكر الذين اعتبروا حراس المصالح، وليس الوطن، وإلا باسم الحزب القومي أو الطائفي أو الوطني، والنتيجة سقوط حلم العساكر المثاليين، والمصلحين، ومواطنيهم.

تحتاج موريتانيا إلى عدة سنوات حتى تنجح الحكومة الوطنية،وما نخشاه ليس فقط استبداد السلطة القادمة، ومن ثم توريث الرئاسة للأزلام، أو الأبناء وأحفادهم، وإنما تحالف أصحاب المصالح ليعاد نفس السلوك بأدواته العربية التي اشتهرت بانتخابات الرئيس المهيب، أو الجماهيري، حارس الفضيلة ومحقق العدالة، بنسبة ال"99 بالمائة" لنرجع إلى المسرحية الهزلية التي لم تنته فصولها، ولا وسائل معديها، ومخرجيها..

التجربة الموريتانية رائدة، لكن هل تستطيع أن تقاوم العواصف للمتربصين بالتعجيل بموتها؟ لا ندري.. فكل الاحتمالات قائمة..