عندما طالبنا الأسبوع الماضي بوضع حد لتجاوزات العمال الذين تجمهروا على طريق الشيخ زايد للمطالبة بزيادة أجورهم، لم نكن مبالغين أو قاسين لأننا توقعنا المزيد من التجاوزات لهؤلاء العمال، والدليل على ذلك امتناع خمسة آلاف عامل صباح أمس الأول عن العمل والتجمهر والنزول إلى الشارع في موقعي السكن بمنطقة سنابور والقوز مطالبين بزيادة رواتبهم.
والأكثر أن هؤلاء العمال قاموا بأعمال شغب وتحطيم زجاج سيارات وبوابات حديدية للشركة التي يعملون فيها، وامتد تجاوزهم إلى التعدي بالضرب على مواطن يشغل منصب مدير بالشركة المذكورة.
الغريب في الموضوع هو أن وزارة العمل واللجنة الدائمة للعمال في دبي وشرطة دبي اتفقت السبت الماضي على انه سيتم البت في مطالبهم في غضون أربع وعشرين ساعة وهو ما حدث، إلا أن العمال أصروا على تكرار الإضراب وعدم الالتزام بالاتفاق المبرم، الأمر الذي ينبئ بتداعيات خطيرة إن ظل الحال على ما هو عليه، لاسيما وان بعض الشركات قد تعودهم على هذه الإضرابات عندما ترضخ لمطالبهم، وتستجيب لها كما حدث مع هذه الشركة التي رضخت لمطالبهم وقامت بزيادة رواتبهم، وهو الأمر الذي لم نكن نحبذه أو نؤيده.
وزارة العمل أعلنت عن اتخاذها حزمة إجراءات رادعة ضد العمال الذين يحرضون على الشغب، أو يقومون بارتكاب أضرار في الممتلكات، تتمثل في الحرمان الدائم من العمل بالدولة، والحرمان من مكافأة نهاية الخدمة. كما أمر وزير العمل بتعويض الشركة عن خسائرها من خلال منحها مئتين وخمسين تصريح عمل بدون رسوم بدلاً من العمال الذين سيتم تسفيرهم، والسلطات المختصة في دبي ستقوم بتسفير من اعتبروا أنهم المحرضون على أعمال الشغب، والمصرون على التوقف عن العمل رغم حصول الزيادة في الرواتب.
وربما يعتقد بعضهم أن ذلك كافٍ، لكن من وجهة نظرنا لا يعتبر ذلك كافيا، ولا يلقن العمال درساً يتعلمون فيه كيف يقدمون مطالبهم بطرق قانونية وحضارية دون تجاوزات، ودون أن يوقعوا الضرر بأي ممتلكات، لاسيما وهم يحظون في دولة الإمارات بأحسن معاملة ربما لا يحظون بها في مناطق أخرى.
نتساءل وسط هذه الإضرابات التي أصبحت للرفاهية أكثر من كونها أساسية، أين دور الحكومات التي تعتبر مسؤولة عن جالياتها في الدولة؟ أين دورها في ردع عمالتها والذي لا نكاد نراه واضحا إلا عندما تطالب بحقوقهم وإنصافهم؟ أليس من الواجب أن تتدخل لوقف حد لهذه التجاوزات والتجمهر، وتدل عمالتها على أخطاء يسيئون بها إلى أنفسهم والى دولتنا، أم إنها تتدخل فقط عندما تتوجه أصابع الاتهام إلينا بظلم هذه العمالة وهضم حقوقها؟
هذا النوع من التجمهر زاد وبات مؤرقاً أكثر من أي وقت مضى، على اعتبار أن الرغبة في زيادة الأجر قد تدفع العمالة مستقبلاً لتعطيل الحياة في مجتمعنا، حتى وإن كان ذلك لأسباب لا تستدعي تجمهراً أو احتجاجاً من وجهة نظرنا، ووصول العمال إلى هذا الحد من الجرأة يعكس قدراتهم على زعزعة الأمن والاستقرار في مجتمعنا.
الحرمان الدائم من العمل بالدولة، ومن مكافأة نهاية الخدمة ليست أدوات كافية لردع العمال المخالفين للقوانين والأنظمة، ولابد لوزارة العمل والجهات ذات الاختصاص أن تبحث عن أدوات أخرى توقف بها هذا النوع الجديد من المظاهرات والاحتجاجات، كما ينبغي للشركات ألا ترضخ لمطالب لا ترى للعمال فيها حقاً، فهي إن قامت بذلك فلتعلم أنها لا تدفع لهم حقوقاً بقدر أنها تقويهم وتسلطهم على من غمروهم بخيرهم حكومة أو أفراداً.