تابعت باهتمام جلسات المؤتمر السنوي لمركز الإمارات للدراسات الاستراتيجية والبحوث وكان بعنوان «الأمن والتحديات» وللدقة كان من المفروض القول التهديدات وليس التحديات. فالتحديات عادة تجري مواجهتها أو البحث عن وسائل لمواجهتها، لكن في الحالة العربية لا يكلف ذوو الشأن أنفسهم مشقة المواجهة بل الاكتفاء بعرض هذه التحديات دون الولوج إلى كيفية المواجهة.

وللحقيقة فان مركز الإمارات يلعب دوراً مهماً من حيث تناوله لهذه العناوين وطرحها للنقاش وتعريضها للبحث وصولاً إلى إيجاد توصيات أو مقترحات. واذكر على سبيل المثال انه قبل سنوات طرح مسألة حوض بحر قزوين التي اتخذها الغرب في حينه مثل «بعبع» في مواجهة النفط العربي وأظن أن التضخيم المقصود في الإمكانيات النفطية لوسط آسيا كان المقصود منه تخفيض أسعار النفط العربي حيث تراجعت إلى ما دون العشرين آنذاك، ولعب المركز دوراً في تسليط الضوء على هذه المسألة حتى سميته «زرقاء اليمامة» في حينه ممثلاً بمديره د. جمال السويدي.

وفي الحالة الراهنة كان يبحث التحديات للأمن في المنطقة الخليجية في ظل التصعيد الجاري ضرورياً لدق ناقوس الخطر أمام صانعي القرار، لكن مع الأسف فان جهود البحث والتحليل والدراسات في الحالة العربية تبقى على حالها ولا تصل إلى أهدافها. وفي الأوراق التي طرحت في الجلسات أمكن حصر التحديات وإذ بها تفوق أية تحديات - تهديدات في أية بقعة في العالم. فالتحديات الدولية موجودة والإقليمية كذلك والداخلية أيضاً على أنواعها المختلفة.

وهناك منها ما يحتاج إلى تنسيق دولي لمواجهته وما يحتاج إلى تنسيق عربي وإسلامي وما يحتاج إلى تنسيق خليجي وما يحتاج إلى جهد داخلي. فالكم الهائل من التحديات العسكرية والسياسية والاقتصادية والديمغرافية والجغرافية والاجتماعية والدينية والمذهبية والعرقية لا يحتاج إلى مجرد تنسيق وزاري أو لقاءات ثنائية عابرة أو على مستوى دول المجلس أو الجامعة العربية بل إلى ما هو أكثر من ذلك أي إيجاد جسم أو أجسام مختصة لوضع الحلول الجادة القابلة للتنفيذ على الأرض فوراً وطرح سيناريوهات محتملة لكل تهديد.

ولعل الإسرائيليين هم الأكثر خبرة في هذا المجال حيث لا يتركون للصدف أية فرصة بل يضعون السيناريوهات المختلفة لمواجهة أية احتمالات، وقد سارع الإسرائيليون مؤخراً إلى إنشاء وزارة التهديدات الاستراتيجية تتولى معالجة التهديدات بكل الوسائل المتاحة.

وفي أعقاب حرب لبنان الأخيرة شكلوا لجاناً عديدة للتحقيق واستخلاص العبر، وتبين أن الإسرائيليين لم يؤخذوا على حين غرة بل كانوا قد وضعوا خططاً للحرب ضد حزب الله، فرئيس الوزراء ايهود اولمرت اعترف الأسبوع الماضي بأن خطة الحرب وضعت قبل أربعة أشهر من أسر الجنديين من قبل حزب الله.

واعترف ضابط كبير آخر بأن الجيش الإسرائيلي تدرب قبل سنة على احتلال بلدة بنت جبيل اللبنانية ونفذ تدريباته في مدينة الناصرة العربية لخوض قتال بين المنازل. لكن السر وراء الفشل الإسرائيلي في الحرب كان أنهم واجهوا حزباً تعلم منهم ووضع بدوره خططاً وسيناريوهات لمواجهة أي غزو إسرائيلي محتمل.

ولم يكن الإسرائيليون يتصورون انه بهذه العقلية النشطة والاستعداد المسبق لكل طارئ، ويكفي أن نعلم أن حزب الله استخدم عدة أنواع من القذائف الصاروخية المضادة للدروع، ولكل درع كان يستخدم صاروخاً معيناً يختلف عن الآخر، فلدبابة المركافا كان هناك صاروخ كوزيت ولغيرها «ساغر» الخ، لأنه درس مسبقاً أنواع التصفيح للعربات العسكرية واعد لكل نوع سلاحاً مضاداً.

لا يمكن بأي حال مواجهة أية تحديات بالكشف عنها فقط بل بوضع الخطط المضادة، ولعل الفشل العسكري الأميركي في العراق هو اقرب مثال على ذلك، لأن الأميركيين اعدوا سيناريو احتلال العراق وإسقاط النظام فقط ولم يضعوا سيناريوهات لما بعد ذلك وحتى الآن لم نسمع عن سيناريوهات خليجية لمواجهة التحديات الكثيرة الداخلية والإقليمية والدولية، وكأن هناك إجماعاً صامتاً على العجز أو الاتكالية على الغير لعله ينجح في مواجهة بعضها.

لكن البعض المعول عليه وهو في هذه الحالة الغرب بقيادة الولايات المتحدة هو احد أسباب كثير من هذه التحديات وباعثها الأكبر وهو بالتالي له مصلحة في الإبقاء على حالة التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة. إذ لا يكفي علاج أي تهديد بعقد صفقات أسلحة مكلفة تستنزف الموارد ثم توضع في المستودعات ليتم عقد صفقات أسلحة احدث، ولا يمكن معالجة تحديات العمالة الأجنبية غير الماهرة وآثار ذلك على الاقتصاد والتركيبة السكانية والمجتمع كله بتوقيت مدة العمل فقط بل بتحديد نوعية العمالة مثلما يفعل الكنديون والاستراليون مثلاً، حيث يستقدمون هجرة ذات كفاءة تضيف إلى اقتصادهم ولا تأخذ.

فالتحديات تحتاج إلى خلق أجسام نشطة بشكل جماعي لمواجهتها، وهو ما لم يتم حتى تاريخه بل ثمة ايغال في الحديث عن التحديات وكشفها وبيان مخاطرها دون الحراك باتجاهها أو كما قال احد الباحثين في المؤتمر مستعيناً بمثل صيني يقول «المستريح يجب أن يتحرك» وفي الحالة الخليجية فان هناك ما هو أكثر من حالة الاستراحة بل الاسترخاء دون حراك.

لأنه للمحافظة على الراحة يجب الحركة، ففي الحركة بركة كما يقول مثل عربي. أتذكر هنا انه إبان انتفاضة النفق عام 1996 وأثناء انعقاد قمة عربية استثنائية في القاهرة دخلت إلى جناح الرئيس الراحل ياسر عرفات فنظر إلى نبيل أبو ردينة وطلب منه أن يروي ما حدث معه.

لكن عرفات واصل الرواية بنفسه وقال انه كان قبل قدومه إلى القاهرة في جولة آسيوية وحطت طائرته في العريش فوجد أمامه بضع ساعات فقرر أن يتوجه إلى غزة ثم يسافر إلى القاهرة ولما وصل إلى مقره طلب احد المسؤولين فلم يجده، وطلب آخر فلم يجده، كان كل كبار المسؤولين مدنيين وعسكريين قد غادروا غزة إما للخارج أو إلى الضفة، فالسلطة كانت غائبة بينما الأحداث الدموية على الأرض دون قيادة.

وهنا قلت للرئيس ما دام الأمر كذلك لماذا لا تشكل لجنة دائمة لقيادة الوضع ووضع تصورات واحتمالات وحلول، فتدخل في الحديث احد الوزراء وقال بلهجة تهكمية ساخرة «واحنا بنعمل ايه» فقلت بسخرية اشد «ألم تسمع كلام الرئيس ثم ما الذي فعلته يا صاحب المعالي غير مضغ الكلام حتى الآن؟».

وغادرت المكان وركبت سيارة أجرة مصرية وكان المذياع يتحدث عن أسباب الانتصار في أكتوبر وسمعت احدهم يقول إن أهم سبب في تحقيق الانتصار هو تشكيل خلية أزمة سبق اندلاع الحرب وكانت مهمتها وضع سيناريوهات مختلفة وتقديم اقتراحات وتقديرات عن كل المجالات الاقتصادية والسياسية والعسكرية ووضع الحلول والبدائل فكدت أعود إلى الفندق لإبلاغ عرفات بما سمعت ثم صرفت النظر عن ذلك، لأن الوزير هناك سيقول انه بنفسه يمثل خلية أزمة متنقلة.

رئيس تحرير «الحياة الجديدة» ـــ فلسطين