في ظل غياب شبه تام لصوت الشعوب العربية تقترب القمة «الرسمية» العربية التي احتاجت عقودا حتى تنعقد سنوياً. ومع اقترابها يجتهد المثقفون العرب في اقتراح القضايا التي يرون أنها يجب أن تكون على جدول أعمال ودائم يخذلهم الساسة!
وغياب صوت الشعوب ليس جديداً فقد أكدته مشاهد متلاحقة خلال السنوات القليلة الماضية عندما كان صوت غير العرب أعلى دويا في الدفاع عن القضايا العربية على نحو ما شهدنا قبل حرب العراق، إذ خرجت مظاهرات مليونية في عواصم غربية للتنديد بالحرب مقابل ردود فعل عربية شعبية هزيلة، والمفارقة أن هذه محصلة سياسات بدأت شعبوية جماهيرية وانتهت سلطوية أو قل نخبوية.
والغريب أن هذا يحدث رغم أن تطورات كبيرة حدثت في العالم شرقا وغربا جعلت صوت الشعوب أعلى وقدرتها على التأثير في القرار السياسي أكبر، وقد استبشر كثيرون بمشروع البرلمان العربي كصوت للشعوب، لكنه حتى الآن ما زال اسما على غير مسمى، وقد آن أوان الانتقال من المناشدة إلى التحرك الفعلي ومن دعوة المتنفذين لتبني هذه الفكرة أو تلك إلى طرح تصور متكامل في التوقيت نفسه الذي تعقد فيه القمة العربية لتكون هناك قمة عربية موازية تنعقد في التوقيت نفسه الذي تنعقد فيه القمة الرسمية برعاية واحدة أو أكثر من منظمات المجتمع المدني العربية وكثير منها لا تنقصه الإمكانات ولا الخبرات ولا الإرادة.
إعادة الاعتبار للأفكار
مثل هذه القمة الموازية ستعني بشكل مباشر إعادة الاعتبار للفكرة ودورها في التغيير نحو الأفضل. فخلال حقبة التحرر الوطني بدا لبعض حسني النية أن مشكلاتنا معروفة وأن حلولها جاهزة وأن الخروج من التخلف للتقدم له طريق واحد عبر نماذج جاهزة يمكن باستنساخها أن ننجز ما أنجزه السابقون باعتبار أنهم «السابقون ونحن اللاحقون»!
وإعادة الاعتبار للأفكار يعني أيضا إعادة الاعتبار لأصحاب الأفكار الذين توزعوا لفترة طويلة بين المنفى الاختياري والعزلة الاختيارية - في ظاهرها - القسرية دون مواربة، فعوضا عن إحساس الاغتراب الذي قصف أعمار أجيال من المثقفين العرب يمكن أن يكون عمل رمزي كهذا نوعا من إعادة الاعتبار لهذه الفئة التي كان لها دائما وفي كل تجارب النهوض «الناجحة» دور كبير بل ربما لا غنى عنه، بينما هذه الفئة في واقعنا العربي غائبة مغيبة مهمشة مهشمة مغضوب عليها، أو على الأقل مشكوك في نواياها، وبسبب هذه الريبة انقسمت هذه الفئة إلى قلة وجهت وجهها شطر السلطة وأغلبية تربطها علاقة صداقة وطيدة بوحش مفترس اسمه «الإحباط»، إلى حد أن أحد أهم المثقفين المصريين كان يردد أننا أمة في حالة «إحباط قومي»!
وعلى الجانب الآخر يحتاج تصحيح هذا الوضع المختل إلى أن يودع صانع القرار العربي نهائيا هاجس أن كل ناقد للواقع وكل مطالب بالإصلاح هو جزء من مؤامرة أو ثغرة يمكن أن يدخل منها التدخل الأجنبي أو تنتهك السيادة، فسوء الظن ليس دائما «من حسن الفطن»!
الديمقراطية والتقنية والاقتصاد
والقمة الموازية يمكن أن تضطلع بمهام عدة أولها طرح أجندة بديلة يشكل طرحها ضغطا فعليا على مؤسسة القمة الرسمية التي لا يمكن أن تظل استثناء من كل المنظمات المماثلة فمعظم التجمعات الإقليمية المماثلة - وبعضها حقق نجاحات مبهرة - يكون انعقادها فرصة للمعارضين لطرح مطالبات وتنظيم احتجاجات وليست أمتنا استثناء من هذه القاعدة، فالمعارضة ليست جريمة بل قد تكون الموالاة غير المشروطة للسلطة أحيانا جريمة تدفع الأمة ثمنها فادحا ولفترات طويلة.
والأجندة الموازية جزء من منطق تفكير مختلف، فمثلا، في مواجهة الاهتمام المبالغ فيه بالقضايا السياسية التي تتسم بالكلية والاهتمام بالتوجه للخارج يمكن أن تتبنى قمة موازية ثلاثية: الديمقراطية والتقنية والاقتصاد، فنحن في حاجة إلى بناء داخلي أكثر ديمقراطية وإلى اهتمام أكبر بالتقنية كمؤشر من أهم مؤشرات كفاءة الدولة العربية.
وإذا كانت مشاريع الوحدة العربية قد تحطمت على صخور الواقع بسبب طبيعتها الطوباوية وترفعها على فكرة التقارب على أرضية المصالح، فبدون ترسخ قناعة حقيقية بأننا يمكن أن نحصل جميعا على منافع مباشرة من أي مشروع عربي عربي إقليميا كان أو شاملا فستظل قضية الوحدة «مونولوجا» سياسيا نخبويا يغري بتدبيج المقالات وصوغ الشعارات ولا يغري رجل الشارع العادي بأن يبذل أي جهد لتحويلها إلى واقع ولا يشعر بأي مشكلة نتيجة غيابها.
وفي الموضوع الديمقراطي يبدو العرب في حاجة إلى مبادرة جسورة بشأن الأقليات والفساد وتداول السلطة وحق الحصول على المعلومات والوثائق الرسمية، وفي حاجة ماسة إلى توجه اقتصادي جديد يكتب نهاية للسياسات الشعبية التي تستهدف استدرار تعاطف الجماهير، فالاقتصاد يجب أن يكون مؤشر صحته واعتلاله الكفاءة ودرجة التقدم التقني، أما إنصاف الفقراء فيجب أن يكون محصورا في قضية «توزيع العوائد» لا أن يكون سببا في فرض طريق واحد لصناعة الثروة، وقد أثبتت التجربة حتى في دول الكتلة الشرقية نفسها أن وضع القيود ذات الطبيعة الأيديولوجية على صنع الثروة لا يؤدي لعدالة توزيع الدخل بل يؤدي إلى عدالة توزيع الفقر.
وإلى جانب الاقتصاد يحتاج العرب إلى وضع قضية التقدم التقني على قائمة اهتمامات المجتمع المدني العربي حيث تشكل التنمية التقنية منظومة ضخمة لا يمكن أن تنفرد الدولة بإنجازها، وإن كانت المسئول الأول عن توفير المناخ القانوني والسياسي الداعم لها. ومن نافل القول إن قضايا الحريات وحقوق الإنسان أصبحت مما لا يجوز تأجيله أكثر من ذلك.
فإذا كانت القمة العربية تتجه لأن تتحول إلى مؤسسة مستقرة تنعقد دوريا وبالتالي تحظى بفرصة للإعداد الجيد وإحداث تراكم فإن هذه المؤسسة يمكن أن تتحول تحولا نوعيا إذا رأت صورة أدائها في مرآة قمة عربية موازية يعقدها المثقفون في التوقيت نفسه متبنية أجندة «التحول» في مواجهة أجندة «الاستقرار» واستراتيجية «الانفتاح» بدلا من «الانكفاء»، و...
فهل من قمة عربية موازية تنعقد سنوياً بدءا من هذا العام؟
كاتب مصري