منذ بزوغ فجر الإنسانية جاهد الحكماء والعقلاء من الحكام والمسؤولين والمحكومين في إنشاء قضاء عادل بعيد عن التحيز والمحاباة. تم تطوير الدساتير وقوانين العقوبات والأحكام الصادرة لكي يصبح المنتهكون للحقوق عبرة للناس ورادعاً لهم من التمادي في إلحاق الضرر والأذى بغيرهم.
في التاريخ القديم وصلت جهود الإنسان في تشريع القوانين إلى مستوى لا يزال موضع إعجاب المؤرخين، ويمكن أن نذكر في ذلك شريعة الملك البابلي حمورابي قبل أكثر من أربعة آلاف سنة. من قانون حمورابي ذلك البند الشهير الذي ينص على قصاص العين المقلوعة بقلع عين الجاني والسن المكسورة بكسر سن المعتدي المتسبب بذلك!.
لم يكن كل قانون حمورابي بتلك البدائية البسيطة شديدة الوقع على النفس البشرية الآن بل شمل بنوداً تنظم علاقات الأفراد والعائلات والذكور والإناث وشئون الميراث والزواج والطلاق. لكن التاريخ لم يكشف فيما إذا كان تطبيق شريعة حمورابي يجري بالتساوي على الجميع أم أن فيه انتقائية تعتمد على مكانة صاحب الجرم الاجتماعية والسياسية والإدارية والمالية!.
أتت الأديان والشرائع السماوية الناتجة عنها لتضيف بعداً روحياً سامياً على تطبيق قوانين العدالة. في الديانات السماوية والقوانين الوضعية المستندة عليها عبر العالم كلها تجمع ولو نظرياً على ضرورة توخي تطبيق العدالة عند الحكم بين الناس. نذكر من الديانات السماوية بعض النصوص القرآنية مثل «وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل» و الحديث النبوي«لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» ومن الانجيل«من كان منكم بلا خطيئة فليرجم الحجر الأول».
ساهمت الثورات السياسية والاجتماعية والإنسانية والفكرية والعلمية المتلاحقة في تطوير وتهذيب معايير العدالة الإنسانية. الثورة الفرنسية مثلاً أسست لجمهورية يسود فيها تطبيق حكم القانون بالتساوي على الجميع بعد أن كان يُعفى الأباطرة والنبلاء ومرافقوهم وأعوانهم من الملاحقات القانونية على الخروق التي كانوا يرتكبونها.
الثورة الأميركية ساهمت بقدر لا بأس به في تطبيق مبادئ الحرية والعدل لكافة البشر على اختلاف ألوانهم وأعراقهم وأديانهم. إلا أن تطبيق العدالة الأميركية ظل أبتر في المحاكم الأميركية نفسها بسبب طبيعة العلاقات بين الفئات المكونة للمجتمع الأميركي ذي الأعراق والألوان والأديان والمذاهب والأجناس المتنافسة.
الثورة الشيوعية من جانب خلصت مختلف طبقات الشعب الروسي من سطوة محاكم القياصرة التي كانت، أي المحاكم، رهينة وأداة قمع لدى الطبقة الإقطاعية الحاكمة. لكن عدالة محاكم الأنظمة العمالية والشيوعية والاشتراكية التي سيطرت على البلاد فيما بعد سجلت خروقاً كبيرة لحقوق الإنسان، فيما فقد عشرات الآلاف من المتهمين حقوقهم في أحكام قضايا جنائية كانت الأفكار الأيديولوجية مرجعاً مهماً للقضاة في إصدار الأحكام.
عبر العصور وحتى ما بعد حدوث الثورات السابقة وتطوير مبادئ وقوانين العدالة الإنسانية ظل السؤال ماثلاً: من يحاكم من؟ ومن له صلاحية إنزال العقوبة ضد من؟!. هنالك مجال واسع لتدخّل السياسة والنزعة العنصرية والنظرة الشخصية في تقرير الأحكام.
يظهر ذلك جلياً في قرارات محاكم أنظمة الدول التي تكثر فيها الانقلابات العسكرية، أنصار النظام الجديد يحكمون بالموت أو السجن المؤبد مثلاً على نظرائهم من العهد السابق والذين بالأمس كانوا يصدرون نفس الأحكام على أنصار شخصيات الانقلاب الجديد. بشكل عام وفي الدول المتخلفة قانونياً وفي كافة أنحاء العالم يساق المتهمون إلى مواجهة أحكام شبه مؤكدة ومعروفة مسبقاً قبل بدء المحاكمات.
وعند التطرق إلى هزلية التواني في تطبيق العدالة وانحياز القانون لا يغيب عن البال الظلم والجور والحيف الذي تمارسه محاكم الاحتلال اللا-شرعية وقضاتها. على سبيل المثال لا الحصر فإن ميزان عدل محاكم الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين له كفة واحدة!. يكفي القول إن عشرات الآلاف من الفلسطينيين حُرموا ويُحرمون أمام قضاة المحاكم الإسرائيلية وبشكل تلقائي من الاعتراف بحقهم في مقاومة الاحتلال واغتصاب الأراضي ومصادرة الممتلكات والاعتداء على المقدسات.
المحاكم البريطانية وبالرغم من استقرار الوضع السياسي والاجتماعي في تلك الدولة نسبياً إلا أن قرارات المحاكم لا تخلو من التحيز القائم على اختلاف الأديان والمذاهب والأعراق والانتماء السياسي. مثلاً لا تزال قضية أيرلندا الشمالية تطرق باب عقول القضاة والمحاكم في بريطانيا إذا ما جاء لعلم بعضهم، على الأقل، أن المتهم الماثل أمامهم من أعضاء أو أنصار أو متعاطفين مع قضية أيرلندا الشمالية وحزبها السياسي المعروف بـ «الشين فين».
المحاكم الفرنسية ترفض البحث في قضية حوالي مليون ونصف المليون من ضحايا الاحتلال الفرنسي للجزائر، معظمهم من المدنيين. هنالك فاتورة حساب ضخمة تترتب على نجاح القضية في المحكمة الفرنسية العليا أو محكمة الجزاء الدولية؛ في ذلك يتساوى السياسيون ورجال القانون الفرنسيون في محاولة طمس هذه القضية إلى الأبد.
بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة انزلقت أوضاع عدالة المحاكم في الدول الغربية إلى مستويات غير مسبوقة. بالذات فإن المحاكم في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية باتت منحازة في قراراتها ضد الأقليات المسلمة التي تعيش في تلك الدول والتي إعلامياً رُبطت سمعتها عنوة بما بات يُعرف دولياً بظاهرة «الإرهاب».
في ألمانيا مثلاً أعيدت محاكمة أحد المتهمين بالاشتراك في هجمات سبتمبر بضغط علني من الإدارة الأميركية وتم إصدار حكم إدانة عليه بالسجن بعد أن برّأته المحكمة الألمانية عينها من قبل. في فرنسا سلمت السلطات الفرنسية بناءً على قرار من المحكمة الفرنسية العليا المتهم الطليق الوحيد بالضلوع بهجمات 11 سبتمبر، بعد أن برّأته المحكمة الفرنسية، إلى السلطات الأميركية بضغط سياسي من الإدارة الأميركية كذلك ليُواجه حكماً بالسجن هناك.
في غوانتانامو حيث استضاف مركز الاعتقال هناك مئات من أعضاء حركة طالبان وتنظيم القاعدة في ظروف اعتقال غير عادية دون محاكمات أو توجيه تهم محددة إليهم. بعد أكثر من خمس سنوات من الاعتقال لا يعرف المحتجزون في ذلك المعتقل سيء الصيت التهم المنسوبة إليهم. من بين المعتقلين مصور فضائية «الجزيرة» سامي الحاج الذي دخل في مرحلة صحية حرجة بعد إضرابه المتواصل عن الطعام احتجاجاً على ظروف اعتقاله اللا-شرعي.
المحاكم التي أنشأها الاحتلال الأنجلو-الأميركي في العراق تعاني من تدن واضح في معايير تطبيق العدالة عند النظر في القضايا التي يتم البت فيها تحت سمع وبصر وإدارة الاحتلال. كان ذلك واضحاً في القضايا التي عُرضت على الرأي العام حيث تميزت بتدخل سياسي وطائفي وشخصي في مجريات وقرارات المحكمة النهائية. يغيب عن جلسات المحاكمة كل محامي الدفاع وجل شهود النفي عن المتهمين في ظروف أمنية مرعبة؛ هذا بالإضافة إلى اختيار القضاة وأركان الادعاء العام من الذين لا يخفون انحيازهم السافر ضد «أسرى الحرب» القابعين في قفص الاتهام.
تطبيق قرارات محكمة الجزاء والعدل الدولية في لاهاي دليل آخر ساطع على تردّي وضع العدالة الدولية. تتراوح حال القرارات الدولية الصادرة عن محكمة العدل الدولية من ملزِمة إلى غير مُلزمة على الإطلاق بناء على توافقها أو تعارضها مع مصالح الدول الكبرى.
من بين 15 قاضيا دوليا عارض أحدهم، الأميركي، قراراً يختص بإدانة بناء الجدار الأمني الإسرائيلي في فلسطين؛ لم يكن ذلك القرار مُلزماً لإسرائيل. بالمقابل فإن قرار محكمة الجزاء الدولية أحلّ حرمة الدولة السودانية تحت مبرر انتهاكات مزعومة لحقوق الإنسان مرتكبة على حدود ولاية دارفور مع دولة تشاد، ذلك ما يخلق أزمة دولية مفتوحة على أصعب الاحتمالات.
خلاصة القول لا يزال الطريق طويلاً أمام تحقيق عدالة إنسانية خالية من أنواع التحيز الأعمى والتأثيرات السياسية والضغوط الخارجية المؤثرة. ذلك مرتبط بمستوى الوعي الإنساني العام الذي لا يزال يعاني بسبب تشابك المصالح السياسية وغطرسة القوى الفاعلة. كما بدأت في الماضي تقف عدالة المحاكم عبر العالم في حالة تدن واضح مزمن في معايير إحقاق العدل وتطبيق المساواة.
جامعة الإمارات
ea.ca.ueau@nirsan