هل بوسع جورج بوش أن ينتصر على هوغو شافيز في حلبة الصراع في أميركا اللاتينية؟
إنه بالطبع ليس صراعاً شخصياً بين رئيسين، بل وليس صراعاً محصوراً بين الولايات المتحدة وفنزويلا.
إنه صراع حول مستقبل شعوب أميركا اللاتينية، بين «اقتصاد السوق» والنظام الاشتراكي.
لكنه ليس صراعاً أيديولوجيا تنظيرياً بقدر ما هو تنافس تطبيقي بين نموذجين عمليين على الأرض تعيش الشعوب في المنطقة نتائجهما المرئية بما يؤثر على الحياة اليومية لكل أسرة.
على مدى ما يقارب نصف قرن ظلت شعوب أميركا اللاتينية تشاهد النموذج الاشتراكي المطبق في كوبا كاسترو وتطوره في مختلف مجالات الحياة، وتقارن بين حالها وحال الشعب الكوبي.
في كوبا حيث يخضع الاقتصاد الوطني لتخطيط مركزي تسيطر عليه الدولة من خلال برمجيات تنموية متعاقبة، لا تبلغ البطالة بين الشباب إلا نسبة ضئيلة للغاية فبينما تعطي الجامعات لطلابها تعليماً نوعياً يرتبط ارتباطا نوعيا بخطط التنمية المبرمجة وما تفرز من وظائف متجددة في مجالات الزراعة والتصنيع والخدمات، فإن استيعاب الخريجين الجدد ليس معضلة كبرى.
في بلدان أميركا اللاتينية الأخرى تشكل البطالة بين أجيال الشباب أبرز الظواهر الاجتماعية، مما أدى بدوره إلى تفشي الجريمة بأنواعها، هذه هي البلدان الخاضعة للنفوذ الأميركي.
غالبية بلدان المنطقة نالت الاستقلال خلال الربع الأول من القرن التاسع عشر بعد أن تحررت من الاستعمار الأوروبي، ومنذ ذلك الحين ولمدى أكثر من 180 عاماً ظلت «الحديقة الخلفية» للولايات المتحدة خاضعة لسيطرة أميركية. لكنها مع ذلك لم تستفد شيئاً من القوة العظمى المجاورة ومواردها الأسطورية. بل على العكس فإن «الإنجاز» الأميركي يتمثل في توسيع دائرة الفقر وتكريسه.
أجل فتح الباب على مصراعيه للشركات الأميركية لكن رغم ما دخلت به هذه الشركات من رؤوس أموال استثمارية، إلا أنها كانت في حقيقة الأمر عملية نهب منظم للموارد المحلية فمقابل دخول كل دولار كانت تخرج ثلاثة دولارات، ومن أجل حماية هذا الترتيب فرضت على الدول انظمة حكم دكتاتورية موالية لواشنطن لسن تشريعات لتسهيل عمليات النهب المنظم من ناحية وقمع المعارضة من ناحية أخرى.
ولعل تشيلي كانت أبرز مثال عندما دبرت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في سبعينات القرن الماضي عملية انقلابية انتهت إلى اغتيال رئيس حكومة منتخب ـ سلفادور أليندي ـ ليحل محله دكتاتور عسكري هو الجنرال بينوشيه، فقد كان لاليندي برنامج لتأميم شركات.
مع ذلك ظل النموذج الكوبي ويظل مصدر الهام لقادة وشعوب المنطقة، وهذا هو ما يقلق الولايات المتحدة، خاصة بعد ظهور هوغو شافيز. ومما يضاعف من هذا القلق الأميركي أولاً أن شافيز صعد إلى السلطة من خلال انتخابات حرة في اطار نظام ديمقراطي تعددي لم تستطع واشنطن الطعن في نزاهتها، وثانياً ان «العدوى» الفنزويلية تنتقل إلى دول أخرى. ففي زمن قياسي اكتسح ثلاثة قادة من نموذج شافيز اليساري الاشتراكي الانتخابات في كل من بوليفيا ونيكاراغوا وإكوادور.
هذا القلق هو الدافع لجولة بوش الحالية في بعض دول المنطقة. ولكن ماذا بوسع الرئيس الأميركي أن يقول في سبيل الدفاع عن «اقتصاد السوق» لشعوب تعيش نتائجه البائسة؟