أخيراً قرر الرئيس الفرنسي جاك شيراك عدم ترشيح نفسه لولاية رئاسية ثالثة. وبذلك أسدل الستار على حقبة امتدت لاثنتي عشرة سنة تميزت بحضور فرنسي لامع على المسرح الدولي، وبالتحديد خلال نصف العقد الأخير. ويعود هذا الحضور بالأساس إلى حرص الرئيس ـ الذي يستعد لمغادرة قصر الإليزيه بعد حوالي شهرين ـ على التمسك بالإرث الديغولي الاستقلالي في سياسة فرنسا الخارجية.
وهو خيار اعتمده ليس فقط لأنه أحد تلامذة المدرسة الديغولية التي التزمت بهذا النهج؛ بل أيضاً لأنه كان رجل اعتدال وسلام، تحلى بالشجاعة الأدبية والسياسية في وقوفه إلى جانب القضايا العادلة ومعارضته للسياسات القائمة على الانحياز وروح الهيمنة، وبشكل خاص لسياسات العصا واستخدام القوة. وقد بدا هذا النهج بأوضح تجلياته في مواقف شيراك إزاء قضايا المنطقة، وعلى وجه الخصوص تجاه القضية الفلسطينية والحرب على العراق.
كان الصوت الفرنسي، خلال رئاسته، متميزاً في الجهر بالنقد والاعتراضات على الممارسات والاعتداءات الإسرائيلية من التوسع الاستيطاني إلى الجدار ومروراً بوضع القدس، التي أصر خلال زيارته عام 1996، على القيام بجولة له في الشق الشرقي العربي من المدينة والتي شملت الأماكن المقدسة ومنها الحرم القدسي الشريف، كما تجلت هذه النزعة في وقوفه ضد إدارة الرئيس بوش، في حربها على العراق، وحذر من العواقب ورفض المشاركة في منحها الغطاء الدولي، وقد انصب عليه غضب واشنطن، لكنه لم يتزحزح.
اعترض شيراك منذ البداية على خيار القوة وتمسك بالحوار، كبديل لمعالجة الأزمات والنزاعات، ليس في العراق فحسب بل انسحب ذلك على الملف النووي الإيراني وغيره، وأثار حنق إدارة بوش في أكثر من قضية؛ لأنه خالف ولم يتراجع؛ بدءاً من رفض تصنيف واشنطن لمنظمات معينة ـ مثل حزب الله ـ في خانة الإرهاب وانتهاء بشبه التنديد بالشبكة الصاروخية المضادة التي تنوي أميركا نصبها في أوروبا الشرقية؛ والتي تسببت في إحياء شيء من أجواء الحرب الباردة بين موسكو وواشنطن، ومرة أخرى وقف شيراك، قبل أيام، ليحذر ويعلن اعتراضه على مثل هذا التوجه الأميركي.
ولم يقتصر الأمر على الميادين التي عمل فيها شيراك على إبراز الحضور الفرنسي المتميز في ساحاتها، بل تعداه إلى الساحتين الأوروبية والدولية. فبقدر ما كان فرنسياً كان شيراك أوروبياً، وضع كل ثقله وراء الدستور الاتحادي الأوروبي لتمريره؛ لكن الفرنسيين خذلوه، وأوروبيته كان لها بعد كوني، يتصل بقضايا السلام ولجم النزعات الحربية والتوسعية.
دفعه نحو انجاز الوحدة الأوروبية يصب ليس في تعزيز مناعة القارة ورفعها إلى مستوى القوة الوازنة فحسب، بل أيضاً وأساساً يصب في السعي لقيام وضع دولي جديد ينهض على معادلة «عالم متعدد الأقطاب» الذي كان شيراك من أوائل من رفع شعاره بعد انهيار نظام القطبين؛ كضمانة في وجه هيمنة القطب الأوحد.
مع مغادرة الرئيس شيراك للمسرح تخسر أوروبا الموحدة أحد روادها ويخسر العالم أحد أهم أنصار السلام والاعتدال والحوار، فيما تبقى منطقتنا أكبر الخاسرين لصديق غربي قد يَمْضي وقتٌ طويلٌ قبل تعويضه.