يحتل وليم ولبرفورس مكانة متميزة في تاريخ النضال من أجل إلغاء العبودية وتحريم الاتجار بالرقيق. وتعرض دور السينما في الولايات المتحدة الأميركية هذه الأيام فيلماً يصور حياة هذا المناضل بمناسبة مرور قرنين على نجاحه في تمرير قانون في مجلس العموم البريطاني يحرم تجارة العبيد وذلك في العام 1807.

وقد جاء هذا النجاح ثمرة مجهود برلماني دؤوب قاده ولبرفورس لمدة خمس وثلاثين سنة. والحق أن ولبرفورس الذي ولد في العام 1759 لأسرة غنية من مدينة «هل» قد وصل إلى سدة البرلمان في سن مبكرة، إذ كان في الواحد والعشرين من عمره، وظل محتفظاً بمقعده إلى قبل وفاته بثمانية أعوام أي إلى العام 1825.

وكان ولبرفورس فصيح اللسان وخطيباً مفوهاً حظي بحب واحترام قطاع واسع من الشعب البريطاني، بيد أنه كان شخصية متناقضة. فهو كان رجلاً محافظاً بشدة، لم يقم لدعوات الثورة الفرنسية أي وزن، رغم أن حكومة الثورة قد ألغت الرق في فرنسا منذ أيامها الأولى.

ومناداته بإلغاء تجارة العبيد التي كانت السفن البريطانية تنشط فيها كانت لا تساير مزاج المحافظين البريطانيين الذين كان السواد الأعظم منهم مستفيداً من تلك التجارة. ولعل تلك الخصلة - أقصد كونه محافظاً في مسائل اجتماعية رئيسية - قد قوت من حجته، كما يعتقد آدم هوشايلد في بحثه عن تلك الشخصية (أنظر البي بي سي باللغة الانجليزية 26/1/2007).

وإذا كان الرق ظاهرة موغلة في القدم إلا إنها نشطت بشكل لا سابق له بعد اكتشاف الأميركتين، فقد وجد المستعمرون الأوروبيون البيض أن جلب العبيد للعمل في المزارع خير وسيلة لسد نقص الأيدي العاملة ولفشلهم في إخضاع سكان تلك البلاد، وهم الهنود الحمر، وتحويلهم إلى أرقاء.

وقد ابتليت في القارة السوداء بتلك المصيبة بالذات المناطق المواجهة للأميركتين كالسنغال وأنغولا وبنين ونيجيريا والكاميرون. وبدأ الأسبان تلك التجارة منذ العام 1503 حيث وصلت أولى الطلائع من العبيد إلى البر الأميركي في العام 1518. وسرعان ما أصبح نقل العبيد تجارة ضخمة تقوم بها كل الدول الكبرى آنئذ وتنقل الملايين من العبيد عبر الأطلسي إلى العالم الجديد.

ويختلف المؤرخون في تقدير عدد العبيد الذين نقلوا من أفريقيا إلى أميركا خلال أربعة قرون، من القرن الخامس عشر إلى القرن التاسع عشر، إذ يضع بعضهم ذلك الرقم ليصل إلى ما بين 12 مليوناً إلى 15 مليوناً، كما يشير الكاتب حكيم عادي في بحث له منشور على موقع البي بي سي (22/1/2007).

وهذا العدد الهائل قد نقل عبر الأطلسي بصورة بعيدة كل البعد عن الإنسانية بسفن أعدت خصيصاً لهذا الغرض، حيث كان يربط فيه العبيد جنباً إلى جنب وهم منبطحون في قعر السفينة، الأمر الذي أدى إلى فاجعة إنسانية حقيقية حيث مات مابين 20% إلى 30% منهم في الطريق.

وكان العبيد قبل نقلهم إلى العالم الجديد يجمعون في أسواق المدن على السواحل الإفريقية ويصطفون على شكل دائرة، يقول الدكتور عبدالسلام الترمانيني في كتابه الرائع الرق: ماضيه وحاضره إنه في وسط كل دائرة كان يقف نخاسو الشركات المتاجرة بالرقيق، ليتحسسوا السلع البشرية المعروضة.

أما النساء فكن يقفن في صفوف، ويتقدم النخاسون فيمسون ويجسون بأيديهم أجسادهن بصورة مهينة، ومن تعارض منهن، تقرع بالسياط. (ص 195) وفي أسواق أميركا كان هؤلاء يباعون بدون رحمة، فيفترق المرء عن زوجه والطفل عن والديه ولا يلتقي هؤلاء ثانية أبداً!!

وقد برر الفكر الغربي الاسترقاق منذ أيام اليونان، إذ اعتبر أرسطو أن العبد آلة حية، ضرورية لضرورة الأعمال التي تتنافى مع كرامة الرجل الحر، ويقصد بها الأعمال الجسدية. وقد جاء في أول قانون للعبيد سنته مستعمرة كارولينا في العام 1638 أن العبد لا نفس له ولا روح وليس له فطانة ولا ذكاء ولا إرادة، وأن الحياة لا تدب إلا في ذراعيه.

(المرجع السابق 199) بيد أن تلك الأفكار التبريرية سرعان ما تعرضت للنقد على أيدي مفكري عصر التنوير وأبرزهم مونتسكيو وفولتير، وقام أبرز رجال الثورة الفرنسية مثل كوندرسيه «رئيس الجمعية التشريعية» و«بيتون» رئيس الجمعية التأسيسية «وميرابو»خطيب الثورة بحملة شعواء ضد الاسترقاق توجت بالقانون الذي صدر في العام 1791 الذي ألغى الرق في المستعمرات الفرنسية.

ومع انتصار قوات الثورة الأميركية بقيادة جورج واشنطن على الجيش الإنجليزي في 1781 وتداعي مندوبي الولايات إلى مؤتمر في فيلادلفيا لوضع دستور للجمهورية الوليدة في العام 1787 برزت قضية الرق التي انقسم حولها مندوبو المؤتمر بين داع إلى إلغائه وبين مصرٍ على استمراره. وتفادياً للانشقاق ورغبة في إقامة جمهورية اتحادية، اقر الدستور الأميركي من حيث المبدأ مشروعية الرق، على أن يكون لكل ولاية حق إلغائه داخل حدودها، على أن العبد الهارب من ولاية استرقاقية إلى ولاية حرة، يظل عبداً ولا يستفيد من قوانين الولاية التي هرب إليها.!!

وهكذا انقسمت الولايات المتحدة - يقول الترمانيني - إلى ولايات حرة تقع في الشمال، وأخرى استرقاقية تقع في الجنوب.(217) وقد كان هذا التقسيم مبعثاً للشقاق والتوتر بين الشمال ذي المدن الصناعية المزدهرة والمحتاجة دوماً إلى عمالة متجددة، والجنوب الزراعي المعتمد في عمالته على الأرقاء.

والذي تسيطر على حياته السياسية طبقة مالكي العبيد. وتأثراً بما كان يجرى في أوروبا من محاربة للعبودية فقد أصدر الكونغرس الأميركي في العام 1808 قانوناً يمنع فيه استيراد العبيد ويعتبر السفن التي تنقلهم من أعمال القرصنة. وقد تأثر الرأي العام الأميركي برواية صدرت في العام 1852 لسيدة تدعى هريت بتشر ستو وعنوانها كوخ العم توم تحكي فيها عذابات الأرقاء في الأرض الأميركية.

ومع انتخاب رئيس جمهوري للولايات المتحدة الأميركية في العام 1861، وهو ابراهام لنكولن الذي جعل برنامجه الانتخابي تحرير العبيد، أعلنت الولايات الجنوبية انفصالها عن الاتحاد مكونة دولة سميت بالولايات المتحالفة الأميركية . وكان ذاك الانفصال إيذاناً بحرب ضروس بين الشمال والجنوب استمرت أربع سنوات وانتهت في 9 ابريل 1865 بانتصار الشمال وبتحرير العبيد في الولايات المتحدة الأميركية. ومن أعجب غرائب السياسة أن بريطانيا وفرنسا، وهما دولتان كانتا قد ألغتا الرق في مستعمراتهما، كانت هاتان الدولتان في تلك الحرب تقفان مع الولايات الجنوبية وتمدانها بمختلف المساعدات!!

ويقول الدكتور عبدالسلام الترمانيني أن هناك أكثر من ثلاثمئة اتفاقية قد أبرمت منذ العام 1832 لمحاربة كافة أشكال العبودية. بيد أنه يبدو أن طريق الإنسانية للتحرر الكامل مازالت طويلة!! فطبقاً للصحيفة الأميركية كرستيان سينس مونيتور (21/2/2007) فإن سبعة وعشرين مليوناً من البشر مازالوا يعانون من شكل من أشكال العبودية!!

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com