بالرغم من ان المؤتمر الدولي للأمن في العراق الذي عقد امس الاول في العاصمة العراقية لم يستمر سوى يوم واحد، وبالرغم مما احاط به من توقعات متفاوتة ايضا، الا انه يمكن القول ان المؤتمر نجح ليس فقط في اظهار اهتمام مختلف الأطراف الدولية والاقليمية المعنية بالتطورات الجارية في العراق وبمستقبله ايضا بضرورة العمل بكل السبل لاستعادة الأمن والاستقرار الى بلاد الرافدين، ولكن ايضا الالتقاء الذي وصل الى حد التوافق تقريبا حول نقطة محددة تتمثل في إدراك كل الاطراف المشاركة في المؤتمر لضرورة وقف التدخل الخارجي في الشؤون العراقية .
ومع الوضع في الاعتبار ان الامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول الاخرى هو مبدأ من مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وهو أمر معروف ومعترف به من جانب كل دول العالم ـ بغض النظر عما يجري على الارض ـ الا ان اهمية نقطة الإلتقاء او التوافق هذه تتمثل في انها يمكن ان تكون بمثابة نقطة انطلاق للعمل خلال الفترة القادمة وبتعاون مختلف الأطراف ان أمكن من أجل الحد من التدخلات في الشأن العراقي من جانب كل الأطراف وصولا الى وضع الشعب والدولة العراقية على طريق السير وإدارة شؤونها اعتمادا على قدراتها الذاتية وعلى العراقيين الاكفاء ولصالح كل العراقيين أيضا بغض النظر عن الاختلافات والخلافات الطائفية والحزبية وغيرها .
واذا كانت الأوضاع الحالية في العراق وعمليات العنف والاقتتال والخلط غير المحدود للأوراق تجعل من الحديث عن عدم التدخل في الشأن العراقي نوعا من الانفصال عن الواقع او عدم القدرة على رؤية ما يجري، إلا ان هذا الواقع المرير نفسه هو الذي يجعل من المهم والضروري العمل لاستغلال أية بادرة أمل واية فرصة لحشد الجهود وراء أي سبيل قادر او يمكن ان يؤدي الى تخليص العراق مما هو فيه الآن من اقتتال واضطراب وتناحر.
وعلى ذلك يقدم مؤتمر بغداد ما يمكن اعتباره فرصة او بارقة امل حول امكانية الالتقاء والانطلاق من نقطة متفق عليها بين كل الفرقاء المعنيين اقليميا ودوليا ايضا. واذا كان مؤتمر بغداد قد شهد تراشقات وتبادلا للاتهامات بين الولايات المتحدة وكل من ايران وسوريا، وهو ما استمر بعد انتهاء المؤتمر ايضا، إلا ان ذلك يعد امرا طبيعيا بين اطراف تفصل بينها الكثير من الخلافات.
ولكن الأكثر أهمية هو انه خلف الاتهامات المتبادلة يمكن رؤية احتمالات او بدايات ممكنة لفتح قنوات او اقامة جسور ما بين واشنطن وطهران ودمشق لبحث الكثير من القضايا المتصلة بالاوضاع في العراق والمتصلة ايضا بقضايا اخرى ذات اهمية متبادلة للدول الثلاث.
يضاف الى ذلك ان رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي نجح الى حد كبير في التأكيد على اغلاق الطريق تماما امام اية امكانية او احتمال ولو محدود لاستخدام الاراضي العراقية منطلق اللهجوم على اية دولة مجاورة للعراق وهو امر بالغ الأهمية.
من جانب آخر فإن مطالبة المالكي لكل الاطراف المعنية بعدم تصفية حساباتها على ارض العراق او على حساب مصالحه، كانت ايضا على جانب كبير من الأهمية لأنها اشارت بوضوح الى رغبة بغداد وتطلعها الى ان تبعد نفسها عن تقاطعات المصالح وصراعاتها بين الأطراف الاقليمية والدولية والعمل من أجل اتاحة الفرصة لحشد اكبر قدر من الجهود ومن جانب اكبر عدد من الاطراف المعنية لتحقيق مصالح العراق في النهاية دولة وشعبا، حاضرا ومستقبلا .
على اية حال فانه يمكن القول بأن مؤتمر بغداد كان خطوة ايجابية ولكن هناك حاجة كبيرة لاتخاذ خطوات من جانب مختلف الاطراف لتهيئة مناخ يساعد على تهدئة التوتر في العراق والدفع به على طريق لملمة اوضاعه وتضميد جراحه وهو ما يحتاج في المقام الأول الى تضافر جهود كل الاطراف العراقية وتفانيها من أجل حاضر ومستقبل العراق.