«إن مكتبة صغيرة كمكتبة النجف في العراق كانت تحوي في القرن العاشر أربعين ألف مجلد، بينما لم تحوِ أديرة الغرب سوى اثني عشر كتابا رُبطت بالسلاسل خشية ضياعها. وكان لكل مسجد مكتبته الخاصة، بل إن لكل مستشفى يستقبل زواره قاعة فسيحة صُفّت على رفوفها الكتب الطبية حديثة الصدور، تباع لتكون مادة لدراسة الطلاب ومرجعا للأطباء يقفون منه على آخر ما وصل إليه العلم الحديث». هذا ما تقوله المستشرقة الألمانية «زيغريد هونكه» في كتابها «شمس العرب تشرق على الغرب» وتضيف: «إن متوسط ما كانت تحتويه مكتبة خاصة لعربي من القرن العاشر هي أكثر مما تحتويه كل مكتبات الغرب مجتمعة».
هذا التاريخ المشرِّف من الاعتناء بالكتب والمكتبات على النحو الذي تتحدث عنه المستشرقة الألمانية الشهيرة بدأ تحديدا في بغداد في عهد الخليفة هارون الرشيد الذي أنشأ «بيت الحكمة» الذي كان مجمعا علميا احتوى على مرصد من أكبر المراصد الفلكية في ذلك العصر، عمل فيه أكبر علماء الفلك المسلمين، كما أسس في «بيت الحكمة» هيئة للترجمة، وضم إلى جانب المترجمين النسّاخين والخازنين الذين يتولون تخزين الكتب، والمجلدين وغيرهم من العاملين.
وقد ضمت مكتبة «بيت الحكمة» كل نوادر الكتب التي كانت موجودة في ذلك العصر، وأضيف إليها آلاف الكتب التي أهديت من ملوك وأمراء العالم، لينقل إليها «المأمون» بعد ذلك كل علوم الهند واليونان والفرس التي عمل المترجمون على نقلها إلى العربية لتعمر رفوف مكتبة «بيت الحكمة» بمئات الآلاف من المجلدات التي شملت كل تراث الإنسانية من العلوم والمعارف وقتها. وقد قاد «بيت الحكمة» حركة أدت إلى إنشاء العديد من المكتبات في أحياء بغداد كلها، حتى أن زائرا لعاصمة الخلافة العباسية أحصى عدد المكتبات فيها عام 891 م فوجدها أكثر من مئة مكتبة.
ولأن الناس على دين ملوكهم كما يُقال، فقد حذا حذو الخليفة في بغداد كل الأمراء في مختلف أنحاء دولة الخلافة الإسلامية، فأربت مكتبة أمير عربي في الجنوب ـ مثلا ـ على مئة ألف مجلد. ويُروى أنه لما شفي سلطان بخارى محمد المنصور من مرضه العضال على يد الشيخ الرئيس ابن سينا ـ وكان فتى لم يتجاوز الثامنة عشرة وقتها ـ كافأه السلطان على ذلك بأن سمح له أن يختار من مكتبة قصره ما يحتاج إليه من الكتب لدراسته، وكانت كتبها تشغل جزءا كبيرا من القصر، رُتبت حسب موضوعاتها، وقد كتب ابن سينا عن ذلك يقول: «وهناك رأيت كتبا لم يسمع أغلب الناس بأسمائها».
هذا السجل المشرّف من الاعتناء بالكتب والمكتبات تعرّض على مدى التاريخ للعديد من الأزمات التي كان أشهرها ما حدث عام 1258 م على يد التتار بقيادة هولاكو، عندما ألقى جنوده بمئات الآلاف من الكتب والمخطوطات في مجرى نهر دجلة وصنعوا منها جسرا مرت عليه خيولهم، حتى يُقال إن مياه النهر قد تحولت إلى اللون الأسود لكثرة ما ألقي فيها من كتب يومها في أكبر جريمة يتعرض لها الكتاب عبر التاريخ.
وقد أعاد الاحتلال الأميركي للعراق تمثيل المشهد بطريقة أخرى بعد سقوط بغداد في التاسع من ابريل عام 2003 م فتعرض «بيت الحكمة» لعمليات تخريب ونهب وحرق واسعة استمرت 16 يوما حولته إلى رماد وأطلال، وقُدرت الخسائر التي لحقت به من تجهيزات تقنية ومكتبية بنحو 100 مليون دولار.
إضافة إلى خسائر تقدر بنحو 70 مليون دولار بسبب نهب وحرق كتب نفيسة ومخطوطات نادرة وقطع أثرية ذات قيمة تاريخية وجمالية عالية. ويحكي حارس البيت الذي كان شاهد عيان على هذا الفصل المأساوي من سقوط بغداد أن نسبة من الكتب التي سرقت من البيت بيعت في ساحة الميدان بالعاصمة العراقية بأبخس الأثمان، فيما لم تعرف الوجهة التي أخذت باقي المنهوبات إليها.
واليوم نتساءل عما إذا كان التاريخ يعيد نفسه على أيدي الأشباح الذين يفجرون أنفسهم وسياراتهم في شوارع بغداد وغيرها من مدن العراق المحتل الذي تعيث فيه كل الأيادي فسادا وخرابا وتدميرا. فيوم الاثنين الماضي (5 مارس 2007) عادت رواية تدمير مكتبات بغداد تُكتب من جديد وتُنشر في نسخة لا تختلف كثيرا عن سابقاتها عندما تحول شارع المتنبي ـ الذي يمثل نقطة التقاء المثقفين والأدباء العراقيين والرئة التي تتنفس منها الثقافة العراقية ـ إلى كومة من الأنقاض لعشرات الآلاف من الكتب والمجلدات والمخطوطات التاريخية النادرة. حدث هذا إثر انفجار مروع لسيارة مفخخة كان يقودها انتحاري أخذ معه في طريقه ما يقارب الأربعين قتيلا من رواد الشارع، وأصاب العشرات بجروح وإصابات مختلفة.
«واثق أحمد» صاحب مكتبةٍ حضر في وقت مبكر لتفقد مكتبته التي كانت تضم المئات من الكتب الدينية والتاريخية القديمة والحديثة ولم يجد منها إلا بقايا أنقاض، فآثر ترك المكان والعودة إلى داره قائلا إن هذا أفضل من البقاء واجترار الحسرات والألم. أما «إحسان عبد الهادي» الذي يمتلك هو الآخر متجرا في الشارع فقد قال بحسرة إن الانفجار دمر (المكتبة العصرية) التي احترقت بالكامل.
وهي أقدم مكتبة في شارع المتنبي، تأسست عام 1908م وتضم آلاف الكتب التاريخية الثمينة التي لا يمكن أن تقدر بثمن ولا يمكن أن تجدها في أي مكان آخر، وأضاف أن (مكتبة النهضة) التي تُعدّ أكبر مكتبة بالشارع قد دمرت واحترقت هي الأخرى بالكامل، وكانت تضم آلافا من الكتب التاريخية والدينية والقانونية التي تحكي تاريخ العراق القديم والحديث.
في شارع المتنبي ـ الذي لو بُعث من جديد حيًّا لمات آلاف المرات حسرة وكمدا ـ اختلطت رائحة احتراق الكتب برائحة احتراق الجثث التي اتحدت معها تحت الأنقاض مشكلةً لوحة مأساوية رسم خطوطها شبح لم نتبين ملامحه ولم نعرف هويته ولم ندرك غايته.
في شارع المتنبي وفي كلّ ناحية من العراق هناك أصابع اتهام كثيرة يمكن أن تُوجَّه لأكثر من جهة، يقتضي المنطق أن نقبل مناقشتها كلها حتى لو شممنا فيها رائحةَ طائفيةٍ أو مؤامرة، لأن ما يحدث يتطلب منا ألا ندفن رؤوسنا في الرمال أو نتعامى عنه مهما كانت انتماءاتنا وطوائفنا ومواقفنا السياسية والدينية والفكرية، فنحن نستطيع أن نقول إن نزيف الدماء قابل للتعويض حتى لو كانت الخسائر فادحة وموجعة، لكنّ نزيف العقول وحصاد الأقلام الذي يشكل للأمم رصيدا خالدا من العلم والحضارة والمعرفة غير قابل للتعويض.
ثمة أسئلة نتمنى أن تبحث لنا عن إجابة لها تلك الأشباح ومن يقف خلفها، ومن يتستر عليها، ومن يتعاطف معها، ومن يدافع عنها، ومن يقف مما تفعل بنا وبتاريخنا ومستقبلنا موقف المتفرج أيضا. تُرى من يدمر بنية العراق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية، ومن يخنق رئة بغداد الثقافية حتى لا تعود قادرة على التنفس؟
كاتب إماراتي
aliobaid2000@hotmail.com