الانطباع العام أن مؤتمر بغداد الإقليمي ـ الدولي، الذي انعقد أول من أمس، نجح في كسر الجليد. ممثلون عن 16 دولة جلسوا، لمدة يوم، حول طاولة واحدة وتبادلوا، أو عرضوا، الرأي؛ حول شؤون الأمن والاستقرار المفقودين في العراق. لم يسبق أن اجتمعوا في غرفة واحدة منذ احتلال العراق، قبل أربع سنوات. على العكس ازداد التباعد فيما بينهم وتراكمت العوائق وأسباب الجفاء والتوتر. خاصة بين إيران وسوريا من جهة وبين أميركا والغرب عموماً، من جهة ثانية. وصلت العلاقات إلى حدود التلويح باستخدام القوة.
في البداية حامت الشكوك حول إمكانية عقد مثل هذا المؤتمر. ثم كانت هناك مخاوف من احتمال انفجاره من الداخل لو التأم شمله. أو على الأقل أن ينتهي بتصعيد الخلافات. لكنه انعقد ولم ينفجر، كما لم يختتم أعماله بالتأزيم. طبعاً لم يتمخض عن انجازات ملموسة ولا عن توافقات مهمة. بيد أنه لم يندرج في خانة النقيض من ذلك.
الأجواء سادها استرخاء ملفت؛ ولو حذر ومتحفظ. الوفود تصافحت وتبادلت التحيات ولو الفاترة. كما تبادلت الرسائل ولو بالإشارات ومن دون محادثات مباشرة. ولم يكن من المتوقع أن يسود اللقاء أكثر من ذلك. مجرد الهدوء في الطرح كان بمثابة تطور إيجابي. ثم إن الوفود جاءت، على خلفية العلاقات والتطورات المعروفة. مع ذلك هي آثرت «الاستماع والانتظار». وكأن اللقاء سيطر عليه هاجس جس النبض.
لم تخرج عن المؤتمر أنباء عن تراشق وتقاذف بالاتهامات. بل ثمة من تحدث عن «تفاعل بين الخصوم»؛ كما عن حصول حوار «بناء ومفيد»؛ انتهى إلى التوافق على تشكيل ثلاث لجان فنية من الخبراء؛ في الجوانب الأمنية. كما حصل اتفاق مبدئي تقريبا لعقد مؤتمر آخر في اسطنبول أواسط الشهر المقبل؛ على مستوى الوزراء. وإذا تحقق ذلك، يكون بلا شك خطوة أخرى باتجاه تعزيز وترجيح نهج التحاور والبحث عن الحلول الدبلوماسية.
كل ذلك يشكل في حصيلته، خطوة إلى الأمام؛ على تواضعها. خطوة لا يستهان بها نظراً لما للعامل الخارجي من حضور وازن ومقرر في الأزمة العراقية. لكن هذا التطور بقي منقوصاً، بغياب أطراف المشهد العراقي الآخرين عنه. ربما من الناحية البروتوكولية كان من المتعذر تشكيل الفريق العراقي إلى المؤتمر، من خارج المسؤولين باعتباره لقاءً بين دول.
غير أن للوضع العراقي المعروف خصوصيته في هذه اللحظة والتي كان، ربما، من الممكن مراعاتها، بصيغة ما؛ فقط لتأمين أوسع إجماع وطني ولتصليب الوضع الداخلي؛ بنفس المقدار من التوافق، الذي جرى السعي إلى تحقيقه على الصعيدين الإقليمي والدولي. ذلك أن أية نقلة تتحقق على الصعيد الخارجي تبقى مرهونة بمدى تحقيق مثلها على مستوى التوازنات السياسية المحلية، في العراق، وفي ذلك ليس تعزيزاً لمناعة الداخل فحسب، بل أيضا ضمانة تقي البلد من الوقوع في التدويل التام. أي وقوعه فريسة لأجندات الآخرين.
يكفي العراق ما هو مبتلى به من احتلال؛ يبقى زواله، في النهاية، مرهونا بمدى قدرة الوضع على استعادة عافيته. ولعلّ مؤتمر بغداد يكون البداية في مسيرة استرداد هذه العافية.