في مشهد جولة بوش الأخيرة إلى عدد من بلدان أميركا اللاتينية وبعيدا عن التحليلات التقليدية لطبيعة العلاقة التي تجمع بين قوة كبرى مهيمنة مثل الولايات المتحدة ودول صغيرة واهنة اقتصاديا مثل كوبا، ثمة سؤالان الإجابة عنهما لا تلقي الضوء على خيوط تلك العلاقة وحسب، بل إن معالمها العميقة بحيث لا تدع أي مجال لأي اجتهاد يحاول السفسطائيون من خلاله تشويه الحقائق لصالح أسياد يدفعون لهم في مراكز الاحتكار العالمية.

هي إجابة قادرة بجدارة على اعطاء تفسير منطقي لرفض شعوب أميركا اللاتينية استقبال بوش او الترحيب به وللتظاهرات الاحتجاجية العارمة التي جابت شوارع العديد من مدن وعواصم بلدان المنطقة، التي لطالما اعتبرتها واشنطن فناء خلفيا لها تسرح وتمرح فيه كما يحلو لها من دون حسيب أو رقيب.

السؤالان والإجابة كذلك يخرجان من رحم العقلية الأميركية اللاتينية عموما وعقلية المواطن الكوبي البسيط على وجه الخصوص كون هذا يعاني من حصار بائس يفرضه «الأخ الأكبر» عليه منذ ما يقارب النصف قرن، عقلية لطالما حظيت باهتمام واحترام الكثيرين حول العالم، الذين يدهشون أمام سر بقاء زعيم يعتبرونه شموليا مثل فيدل كاسترو على رأس قمة الهرم السياسي في بلاده منذ خمسين عاما تقريبا، فيما يحظى باحترام وتقدير جزء لا بأس به من شعبه وشعوب المنطقة والعالم بأسره.

السؤال الأول عادة ما يوجه إلى المواطن الكوبي نفسه، الذي رغم شغف الحياة إلا أن ابتسامة عذبة تعلو محياه في أي وقت تلتقيه، ومفاد ذلك السؤال هو: ما رأيك بالوضع السياسي - الاقتصادي السائد في بلدك كوبا؟ الإجابة تأتي من دون أي تأخير أو مواربة لتقول: أنا ضد الاشتراكية لكني مع كاسترو..

السؤال الثاني يوجه إلى ذات المواطن الكوبي أيضا وهو: من برأيك الأجدر بخلافة كاسترو بعد رحيله؟ فتأتيك الإجابة واضحة مباشرة لا لبس فيها: إلى أن يرحل الزعيم لكل حادث حديث..

لكلا السؤالين إجابة واحدة لا يختلف عليها كوبيان أو أميركيان لاتينيان وتعكس تمسكا من نوع خاص بأحد الرموز التاريخية في مسيرة الصراع المحتدم منذ أمد بين سكان أميركا الأصليين والرجل الأبيض المستعمر القادم من «ما وراء البحار»، بين دولة عظمى مهيمنة ودول صغيرة مهيمن عليها مستضعفة، بين شركات كبرى متعددة الجنسيات احتكارية تأكل الأخضر قبل اليابس وفلاح أو عامل بسيط لا يملك أحيانا حتى قوت يومه.

تلك إجابة سمعها العالم أجمع بصوت عال وهي تخرج من حناجر الحشود التي غصت بها شوارع وساحات مختلف مدن وعواصم بلدان أميركا اللاتينية أثناء جولة الرئيس بوش غير المرغوب به لا هناك ولا أي بقعة من العالم ولا حتى في موطنه، والذي تتداعى قواه المعنوية قبل المادية تحت وطأة ما يدفع من ثمن باهظ لمغامرات المحافظين الجدد حول العالم، حشود أجمعت على قول واحد موجه لسيد البيت الأبيض: اخرج من هنا ولا تنسى أن تأخذ معك كل زبانيتك وتابعيك وعلى رأسهم جون نيغروبينتي سيئ السمعة والصيت وأمثاله، الذين عاثوا فسادا ودمارا وقتلا في أرجاء القارة.

خاصة وأن ذاكرة الناس هناك لم تزل حية ترزق ولم يغب عنها قط ذلك الدور القذر الذي لعبته تلك الشخصية الظلامية في غير بلد من بلدان المنطقة ولا سيما في فضيحة «إيران - كونترا» والإطاحة بالحكومة النيكاراغوية الساندينية، التي عادت الآن مكللة بغار الفوز بأصوات الناخبين هناك، لكن بعد أن دفع الشعب النيكاراغوي ثمنا باهظا طوال سيطرة عملاء واشنطن على مقاليد السلطة في ماناغوا.

يبدو أن حكومات الولايات المتحدة المتعاقبة لا تتعلم من دروس الماضي أو أنها لا تريد لأن وقاحتها الأيديولوجية لا تسمح لها بذلك خاصة وأنها لطالما اعتبرت نفسها فوق كل أعراف وقوانين الأرض. فهدف هذه الزيارة المذلة لصاحبها بكل المقاييس لا يشذ عن القاعدة المعمول بها أبدا، إذ انها ترمي لتعزيز سلطة زبانية واشنطن في أميركا اللاتينية استنادا لمبدأ العصا والجزرة الذي ما عاد يرهب الشعوب والذي تعتمده عادة القوى الامبريالية ويقوم على شقين: التدخل العسكري والأدوات السياسية الدبلوماسية، التي يطلق عليها جوزيف ناي «القوة الناعمة».

طوبى لكل حنجرة صرخت منادية باعلاء صوت الحقيقة في كل تظاهرة خرجت احتجاجا.. طوبى لذلك المواطن الكوبي الذي أدرك بفطرته السليمة حقيقة الواقع الأليم الذي تعيشه بلاده وبلدان أميركا عموما وهاهو يعض على الجرح ويرفض محاولات واشنطن العودة من البوابة الخلفية لما أطلق عليه ذات يوم «جمهوريات الموز».