قد يستغرب البعض، ويستهجن البعض الآخر المصطلح الذي استخدمته هنا كعنوان لمقال هذا الأسبوع. وقد يتساءل البعض حول ما إذا كان هناك بالفعل ما يسمى بالإسلام النسوي؟ وما هو هذا الإسلام النسوي؟ كيف تأسس وما هي أهدافه؟ ولقد ارتأيت بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للمرأة الذي وافق الخميس الماضي الثامن من مارس ضرورة الكتابة عن ما يسمى اليوم بحركة الإسلام النسوي، لأنني أعتقد أنه من الضروري، ليس للنساء فقط ولكن للجميع، معرفة الحركات الاجتماعية والثقافية العالمية المختلفة المحيطة بنا، وأنه من الضروري دراسة وفهم هذه الحركات النسوية لأننا ليس بمعزل عن العالم ولأننا قبل كل شيء مسلمون.

نحن اليوم نعيش في عالم نرتبط فيه بالآخر، متجاوزين كل المسافات الجغرافية، ليس فقط على المستوى الاقتصادي ولكن أيضا على المستويين الاجتماعي والثقافي، وأية حركة اجتماعية تحدث في مكان ما في العالم فهي بشكل أو بآخر ستكون لها تداعياتها على واقعنا الاجتماعي والثقافي. لذا، فأنني أجد من الضرورة التعرف عن كثب على مثل هذه الحركات وتناولها بالبحث والمناقشة، بل، متى ما أمكننا ذلك، فتح أبواب الحوار والمناقشة مع رموزها ومؤسسيها، والاستفادة منها إذا كان هناك وجه استفادة ومحاورتها بالمنطق والعلم إذا ما وجدنا ما يتعارض مع مبادئنا وقيمنا الإسلامية.

حركة الإسلام النسوي هي حركة عالمية ينضم إليها نساء مسلمات من كل دول العالم، ويسعين جاهدات لطرح قضايا التحرر والمساواة ويعارضن جزئيا التفسير المتوارث للقرآن. النسوية الإسلامية هي عبارة عن خطاب، كما تقول مارغوت بدران المؤرخة والخبيرة في الشرق الأوسط وقضايا المرأة، والأستاذة بكل من جامعة جورج تاون بواشنطن ومعهد الدراسات الإسلامية الحديثة في لايدن بهولندا، يهتم بالمرأة والجنسانية، ويتأسس على نصوص دينية أهمها الآيات القرآنية، ويشجع فقه المرأة المسلمة كجبهة معارضة للفقه الرجولي التقليدي الذي يحتوي على، كما يرى هذا الخطاب الديني النسوي، عداوة شديدة للمرأة، ويطالب في نفس الوقت بتفسير جديد للقرآن يعمل كأساس لإصلاح الفقه.

هناك الكثير من المنظمات والجمعيات النسوية في العالم التي تتبني هذه الطروحات الفكرية الجديدة، منها من تأسس في السنوات الأخيرة خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ومنها ما هو قديم التأسيس ولكنه جدد في طروحاته وممارساته الفكرية. على سبيل المثال، من أشهر هذه الجمعيات النسوية منظمة «رحيمة» الإندونيسية التي تقع في أحد الأحياء السكنية في جنوب العاصمة الإندونيسية والتي تسعى لتغيير مفهوم الحريم الذي يرمز إلى اضطهاد المرأة واستغلالها جنسيا.

يترأس هذه المنظمة فرحة جيجك التي تهتم هي ومن يناصرها من النساء بالأفكار الديمقراطية الحديثة خاصة تلك المتعلقة بالمساواة بين الرجل والمرأة ويعملن على تدعيم هذه الأفكار بآيات قرآنية لأنهن يعتقدن أنه لا يمكن إقناع الناس إلا من خلال الدين الذي هو، كما يطرحن، الدعامة الأساسية للمجتمع الإندونيسي. تتوجه منظمة رحيمة إلى جذور المجتمع الإندونيسي والمتمثل في المناطق الريفية، وإلى مدارس القرآن الموجودة في هذه المناطق لنشر دعوتها.

و نجحت هذه المنظمة في خلال السنوات الأخيرة من تأسيس شبكة من المدارس القرآنية في جميع أنحاء منطقة جاوه، والتي من خلالها تعمل على نشر فكرة المساواة بين الرجل والمرأة ورفض العنف ضد المرأة في الحياة اليومية والحياة الزوجية. باختصار، منظمة رحيمة جزء من حركة جديدة لما يسمى الإسلام المعتدل، وينظر لها المراقبون بأنها أحد الفرص الثمينة التي قد تحد من انتشار الأصولية المتعصبة المعادية للغرب.

هناك الكثير اليوم من أمثال هذه المنظمات النسوية المتبنية لمفهوم الإسلام النسوي والتي عملت وما زالت تعمل على تغيير كثير من الممارسات الإسلامية، ولعل حادثة إمامة المرأة لصلاة الجمعة هي أحد أهم تداعيات هذا التوجه الإسلامي النسوي. وجدير بالذكر هنا أنها حركات نشيطة ومنظمة وبدأت تتوسع دائرتها بشكل كبير وواسع في مختلف دول العالم الغربي والشرقي على حد سواء؛ وهناك أسماء نسوية كثيرة من المثقفات والأكاديميات والإعلاميات من الغرب والشرق على حد سواء اللاتي يعملن لدعم هذا الاتجاه ولزعزعة سلطة التفسير الرجولي، كما يطرحن، للقرآن وخاصة تلك الآيات المتعلقة بالمرأة وحقوقها.

ويجب التنويه هنا إلى ضرورة عدم الخلط بين هذه المنظمات التي أفرزتها الظروف السياسية العالمية خاصة بعد الحادي عشر من سبتمبر وبين منظمات نسوية قديمة التأسيس تعمل في مجال حقوق النساء انطلاقا من القرآن والشريعة؛ منظمات مضى على تأسيسها ووجودها ما يقارب العشرين عاما وأفرزتها ظروف وحاجة المجتمع الداخلي مثل منظمة العدالة، المساواة، الحرية والكرامة الماليزية.

فهذه منظمة سعت منذ بدء تأسيسها على الدفاع عن حقوق المرأة، لكنها ترفض إطلاق تسمية الدفاع عن حقوق المرأة على فعاليتها لأنها تعتقد أنه مفهوم ذو صيغة غربية، بل على العكس من ذلك هم يؤكدون باستمرار على أنهم منظمة تنطلق من الإسلام وتشريعاته وتعمل للمحافظة على الروح الثورية للإسلام التي حسنت أوضاع المرأة قبل 1400 سنة.

فعلى سبيل المثال، عارضت هذه المنظمة بشكل كبير عملية الطلاق عن طريق الرسائل التليفونية القصيرة (الإس إم إس) حيث أنها تعتقد أن الطلاق بهذه الطريقة مناقض للتعاليم الإلهية التي ذكرت في سورة البقرة «أو تسريح بإحسان»، وإن الطلاق باستخدام هذه التقنية مهين للمرأة وكرامتها وخال تماما من المشاعر الطيبة التي أوصانا بها الله والرسول.

باختصار، هناك منظمات نسوية وتيار نسوي جديد ينتشر بشكل سريع ويطرح على الساحة الثقافية والأكاديمية مفهوم الإسلام النسوي القائم في الأساس على ضرورة تغيير التفسيرات التقليدية للقرآن المحكومة بالنظرة الرجولية المتحيزة. وأريد أن أذكر هنا إن الاجتهاد مسألة مهمة وأساسية في الإسلام، بل هو أحد العناصر الذي تميزت بها الشريعة الإسلامية، وهو سر خصوبة هذه الشريعة وثرائها، وسر مرونتها على استيعاب المتغيرات الحياتية والوفاء بحاجات الناس المتجددة على امتداد الزمان والمكان، ولكن لهذا الاجتهاد أصوله وحدوده أيضا التي يجب مراعاتها والالتزام بها.

ولا ننكر هنا وجود بعض الممارسات المجتمعية المتحيزة ضد المرأة، والتي هي فعلا بحاجة للتغيير والتعديل بما يتناسب مع روح الإسلام وجوهره، ولكن قبل النظر في الاجتهادات الجديدة التي تطرحها هذه المنظمات اليوم يجب أولا الوصول لإجابات مقنعة لكثير من الأسئلة خاصة بالنسبة للمنظمات الحديثة العهد. قد تكون هذه المنظمات تقدم خدمات إيجابية ومفيدة للبناء المجتمعي ولكن هناك ما يثير التوجس خاصة أنه لم يعد في عالم اليوم شيء يحدث بالصدفة.

نحن بحاجة لمعرفة لماذا ظهرت وانتشرت هذه المنظمات في هذه المرحلة التاريخية على وجه التحديد وخاصة بعد أحداث نيويورك؟ وهل هي منظمات مستقلة أم هي جزء من حركة عالمية تسعى لتغيير الإسلام والترويج لإسلام من نوع آخر يتماشى مع المصالح والأجندة الامبريالية الحديثة؟

وإذا كانت منظمة نسوية مثل «رحيمة» أو غير رحيمة من المنظمات المعقود الأمل عليها لطرح الإسلام المعتدل ولضرب الأصولية المتزمتة، فأين المنظمات الغربية والعالمية التي يجب أن تعمل على ردع الأصولية المسيحية واليهودية التي أفكارها اليوم تحكم ممارسات أكبر الدول التي تطرح نفسها كدول علمانية؟ العالم اليوم لا يعاني فقط من التشدد والتزمت الأصولي الإسلامي.

ولكن أيضا من التزمت والأصولية المسيحية واليهودية التي على يديها مات ومازال يموت الآلاف من المسلمين في كل من العراق وفلسطين وأفغانستان وإيران الآتية في الطريق. من الأحرى بنا أن نفهم ونستوعب جيدا أنه لا سلام يمكن أن يتحقق إلا بالتخلص من كل الأشكال الأصولية المتطرفة وليس فقط من أصولية واحده نجح البعض في جعلها أم المشاكل وقلص خطورة أخوتيها اللتان لا تقلان خطورة عنها.

جامعة الامارات