الدعم العسكري الذي قدمته اريتريا أفورقي للإسلاميين في الصومال لمساعدتهم ضد حكومة بيداوا المدعومة بواسطة إثيوبيا أغضب الولايات المتحدة لكنه ليس السبب الجذري لانقلاب السياسة الأميركية ضد اريتريا.
السبب الجذري يتمثل في أن واشنطن وجدت نفسها أمام خيار صعب في سياق حاجتها إلى قوة إقليمية في منطقة القرن الإفريقي لتسند إليها دور رأس الحربة في الحرب الأميركية ضد «الإرهاب» في تلك المنطقة. وعلة الصعوبة هي العداء الراسخ غير القابل للتغيير بين اريتريا وإثيوبيا، فلا تستطيع واشنطن المراهنة على إحداهما استراتيجياً دون أن تخسر تلقائياً الأخرى.
وقد استقر خيار الإدارة الأميركية أخيراً على إثيوبيا، فهي الدولة الأكبر والأقوى، وأعظم قوة مسيحية في القارة الإفريقية على الإطلاق، واستغناء أميركا عن خدمات اريتريا أفورقي هو الذي كما يبدو قد دفع اريتريا إلى انتهاج تحركات في القرن الإفريقي تتعارض مع أهداف السياسة الأميركية، ويدخل في هذا السياق الدعم الإريتري لتنظيم «المحاكم الإسلامية» في الصومال، لهذا استحقت اريتريا أن تضاف إلى «القائمة السوداء» الأميركية لأسوأ الدول «انتهاكاَ» لحقوق الإنسان.
وفي هذا الصدد يقول التقرير السنوي الأميركي لحقوق الإنسان في العالم «إن الحكومة الإريترية تبقى واحدة من أكثر الحكومات قمعاً في إفريقيا جنوب الصحراء..» ويضيف التقرير: «ان القوات الحكومية الاريترية ارتكبت عمليات قتل خارج القانون».التقرير الأميركي لم يأت بجديد، الجديد هو أن واشنطن خرجت عن سياسة السكوت والتكتم على مدى سنين لاعتبارات ذاتية صرفة.
إلى جانب «القائمة السوداء» المكونة من أسماء ثماني دول يحوي التقرير الأميركي قائمة من نوع آخر لست دول حظيت بإشادة من واشنطن. وعندما تطالع الأسماء تدرك الأسباب. فهناك أولاً دول مثل ليبيريا واندونيسيا وهاييتي عرفت بولاء تقليدي للولايات المتحدة عبر عقود زمنية متصلة. وهناك الكونغو التي قفز رئيسها جوزيف كابيلا إلى السلطة بواسطة عملية انقلابية من تدبير الاستخبارات الأميركية. أما أوكرانيا فلأنها أدارت ظهرها لروسيا وتريد التحالف مع الغرب بالانضمام إلى عضوية الاتحاد الأوروبي.
السودان مصنف في التقرير الأميركي بالطبع كدولة ذات سجل رديء في حقوق الإنسان لم يطرأ عليه تحسن. لكن سرد السجل يطغى عليه الوضع في إقليم دارفور.
وهنا نجد مفارقة عسيرة التفسير. فهناك موازنة بين ممارسات القوات الحكومية وممارسات حركات التمرد المسلح. فبينما دمغت الحكومة بارتكاب «إبادة جماعية» فإن جماعات المتمردين ـ يقول التقرير ـ «ارتكبت هي الأخرى العديد من الانتهاكات بما في ذلك قتل مدنيين وضرب واغتصاب».
وبعد.. ماذا عن الولايات المتحدة نفسها؟
في إشارة عابرة يقول التقرير إن حصيلة أداء الولايات المتحدة في مجال حقوق الإنسان «تواجه شكوكاً» في الخارج، ولنتساءل: هل معسكر غوانتانامو كان في أي يوم من الأيام موضع شك؟ وهل معتقلات التعذيب التابعة للاستخبارات الأميركية في شرق أوروبا موضع شك؟
لقد نصبت الولايات المتحدة من نفسها وصياً على حقوق الإنسان في العالم.. فأمرت بالبر ونسيت نفسها.