ليس من المتوقع أن يسفر المؤتمر الدولي حول الأمن في العراق, والذي عقد في بغداد أمس, عن نتائج حاسمة وقاطعة, من شأنها إنهاء العنف والاقتتال الطائفي, وصولا إلي إعادة الاستقرار السياسي في البلاد.
صحيح أن حكومة نوري المالكي تعلق آمالا كبيرة علي المؤتمر, وتأمل في أن يؤدي إلي دعم دول الجوار للعراق, وأن تكف أطراف إقليمية عن التدخل في الشئون العراقية الداخلية, ووضع هوشيار زيباري النقط فوق الحروف عندما أوضح عشية عقد المؤتمر أن بلاده لا تريد أن تسوي الدول حساباتها مع الولايات المتحدة علي حساب العراق.
ومعني هذا أن الأزمة الراهنة في العراق, أزمة الأوضاع الأمنية المضطربة والمنفلتة, وأزمة الاقتتال الطائفي الدموي والجامح, لا يمكن محاولة الاقتراب من التوصل إلي حلول ناجحة لها من خلال محور واحد هو السعي إلي الاستقرار من خلال احتواء العنف المتصاعد.
ذلك أن العنف الصاخب والمدمر في العراق, تكمن أسبابه ومبرراته في عدة عوامل, لعل أبرزها:
أولا: إخفاق الإدارة الأميركية التي غزت قواتها العراق واحتلته عام2003, في إدارة شئون العراق في فترة ما بعد الاحتلال, وهذه رؤية موضوعية تحظي بإجماع خبراء وسياسيين أميركيين وأوروبيين, بل إن فشل إدارة بوش أدي إلي فتح بوابة جحيم الاقتتال الطائفي لأن سياسات بوش لم تفطن إلي النتائج الوخيمة لإقصاء السنة من المعادلة السياسية الجديدة في العراق.
كما أن إدارة بوش رفضت بإصرار إدراك حكمة تاريخية تقليدية, وهي أن قوات الاحتلال تفجر طاقات المقاومة الوطنية, ولا يمكن أن تكف المقاومة مادامت قوات الاحتلال في البلاد.
ثانيا: أدي فشل سياسات بوش في العراق إلي تدخل أطراف إقليمية في الساحة العراقية, أبرزها إيران, وليس أدل علي هذا الفشل من أن كتابا أميركيين أشاروا إلي أن أميركا قاتلت في العراق, بينما إيران هي التي انتصرت!!
واللافت للانتباه أن جانبا قويا من الأضواء الإعلامية علي مؤتمر بغداد تركز حول إمكان عقد لقاء بين ممثلي أميركا وإيران!
وقد انصب اهتمام وسائل الإعلام الأميركية والأوروبية عشية المؤتمر علي الجدل الدائر بين واشنطن وطهران, وموقف كل منهما تجاه الآخر.. وكأن الملف النووي الإيراني يخيم علي مؤتمر بغداد!!
ومما لاشك فيه أن تعقيدات الوضع العراقي تتسم بصعوبات عديدة, ذلك أن الطريق إلي إمكان حل هذه التعقيدات يقتضي ضرورة التوصل إلي احتواء الاقتتال الطائفي الداخلي من خلال إرساء أسس موضوعية تحظي باتفاق السنة والشيعة حتي يمكن تحقيق المصالحة الوطنية.
ولا خلاف علي أن المصالحة الوطنية العراقية هي المدخل الأساسي للاستقرار السياسي في البلاد, وهنا يتعين الإشارة إلي أن خبراء معاهد الأبحاث السياسية والاستراتيجية المعنيين بالمشكلة العراقية يرجحون هذا المعني.
ويشير روبرت لو الخبير في معهد شاتام هاوس في لندن إلي أن أكبر مشكلات العراق لها أسباب داخلية, وإن كان ثمة تأثير خارجي من دول جوار, إلا أن هذا التأثير لا يمثل العامل الأساسي. وأوضح أن أعمال العنف الأخطر ناجمة عن الصراع بين الشيعة والسنة.
وأيا ما يكن الأمر, فإن تعقيدات الوضع في العراق, واحتمالات امتداد مخاطرها لمنطقة الشرق الأوسط تتطلب تضافر الجهود الدولية والإقليمية لاحتواء هذه المخاطر, وصولا إلي المصالحة الوطنية العراقية باعتبارها المدخل الأساسي للاستقرار السياسي.